مذكرة استراتيجية عامة
معهد آفاق الجيوسياسي (IGH)
رمز المرجع: IGH-NS-2025-10-001
التصنيف: عام – نشر حر
تاريخ النشر: 2 أكتوبر 2025
المؤلف المؤسسي: خلية التحليل الاستراتيجي IGH
الملخص التنفيذي
يجتاز المغرب منذ أواخر سبتمبر 2025 أزمة سياسية كبرى، نشأت من خلال واقعة طبية أدت لوفيات في مستشفى الحسن الثاني بأكادير لكنها تحولت سريعاً إلى احتجاج وطني. تكشف هذه الواقعة ثلاثة أبعاد حرجة: انهيار مصداقية الحكومة في إدارة الخدمات العامة، ظهور شكل جديد من التحرك الشبابي الرقمي يجسده تجمع GenZ 212، واستغلال معرفي لهذه الثغرات الداخلية من قبل جهات معادية.
يُثبت تحليل معهد آفاق الجيوسياسي أن هذه الأزمة ليست في المقام الأول نتاج تلاعب خارجي، بل تنتج أولاً من الأخطاء الاستراتيجية للحكومة المغربية نفسها. من خلال توفير « العصا ليُضرب بها » حرفياً – عبر تواصل كارثي، وردود تكنوقراطية منفصلة، وقمع يسبق الحوار – عزز الجهاز التنفيذي غضباً مشروعاً إلى حركة سياسية بحجم وطني.
توقيت هذه الأزمة، عشية ثلاثة استحقاقات استراتيجية كبرى (الدخول البرلماني، كأس أمم أفريقيا 2025، مجلس الأمن الأممي بشأن الصحراء)، يضاعف آثارها المزعزعة للاستقرار ويوفر نافذة استغلال قصوى لخصوم المملكة.
1. النشأة: المأساة الصحية في أكادير
الوقائع المحفزة
بين 20 و27 سبتمبر 2025، سجل مستشفى الحسن الثاني في أكادير ثماني وفيات أمهات في غضون أيام قليلة، تضاف إليها حالة خطأ في التكفل المناسب بطفلة مصابة بالسنسنة المشقوقة. هذه المآسي، التي تم توثيقها ونشرها بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بلورت سنوات من الإحباط المتراكم إزاء أوجه القصور في نظام الصحة العامة المغربي.
صور الأسر الثكلى، وشهادات الطاقم الطبي المنهك، والكشف عن غياب المعدات الطبية الأساسية، أحدثت صدمة عاطفية وطنية. القطاع الصحي، المضعف بالفعل بسبب الإدارة المثيرة للجدل لجائحة كوفيد-19، لم يستطع استيعاب فضيحة جديدة من هذا الحجم دون عواقب سياسية كبرى.
رد الفعل الوزاري الكارثي
توجه وزير الصحة، أمين الطهراوي، إلى عين المكان في 27 سبتمبر وأقال عدة مسؤولين في المستشفى. لكن خلال حديثه مع ممثلين محليين انقلب الوضع. عبارته الشهيرة الآن – « طلع للرباط ودير احتجاج » – فُسرت على أنها احتقار مطلق لألم الأسر الثكلى.
يكشف هذا التصريح فشلاً مزدوجاً: عدم فهم الدوافع العاطفية للأزمة وانعدام الوعي السياسي باللحظة. في سياق ينتظر فيه المواطنون الاعتراف والعمل، فإن إحالة الاحتجاج إلى العاصمة يعادل إنكار أي مسؤولية محلية واحتقار المعاناة المعبر عنها.
غياب التدابير الهيكلية الفورية
بعيداً عن الخطاب، لم تعلن الحكومة أي تدبير طوارئ ملموس وقابل للتحقق. اقتصرت القرارات المتخذة على عقوبات إدارية رمزية، دون معالجة الأسباب العميقة: نقص مزمن في العاملين، بنى تحتية متهالكة، مركزية مفرطة في القرار، غياب آليات مراقبة الجودة.
2. الاشتعال: من المحلي إلى الوطني
تسلسل زمني مفصل للاحتجاجات (27 سبتمبر – 2 أكتوبر)
27 سبتمبر: أول تجمعات عفوية في الرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير وطنجة. تحرك شبابي أساساً، منظم عبر Discord ومتداول بكثافة على TikTok وX. ردت السلطات باعتقالات وقائية جماعية في عدة مدن. الحصيلة: حوالي 80 اعتقالاً.
28 سبتمبر: تكثف التحرك بعد نشر صور المآسي الاستشفائية. المحتجون، المركزون في البداية على الصحة، وسعوا مطالبهم لتشمل التعليم والفساد. أفرجت قوات الأمن بشكل انتقائي لكن حافظت على موقف قمعي.
29 سبتمبر: امتداد جغرافي للحركة. المدن الكبرى بقيت متحركة، لكن احتجاجات ظهرت في مدن متوسطة. النشاط على خوادم Discord لتجمع GenZ 212 بلغ ذروات تاريخية.
30 سبتمبر: تصعيد كبير. عنف حضري في وجدة وإنزكان. حرائق مركبات، مواجهات بين محتجين وقوات الأمن. الحصيلة: حوالي 300 جريح تراكمياً منذ بداية الحركة. أصدرت الحكومة بياناً رسمياً يعلن عن خلق 30,000 منصب في الصحة دون جدول زمني دقيق.
1 أكتوبر: ترخيص جزئي لتجمعات في مدن معينة، محاولة لتهدئة التصعيد. هدأ المناخ مؤقتاً في بعض المدن، لكن بقي متوتراً في أخرى. بداية خطاب حكومي عن « الحوار »، لكن دائماً دون اعتراف صريح بالأخطاء المرتكبة.
2 أكتوبر: مأساة لقليعة. مصرع محتجيْن اثنين في ظروف لا تزال غامضة. هذه الحصيلة البشرية المأساوية تمثل ذروة الأزمة. الحركة بقيت نشطة لكن ظهرت علامات إرهاق بين المحتجين.
الحصيلة البشرية والمادية
الوفيات: وفاتان مؤكدتان (لقليعة، 2 أكتوبر)
الجرحى: حوالي 300 (محتجون، قوات أمن، مدنيون)
الاعتقالات: عدة مئات من الإيقافات
الأضرار المادية: عشرات المركبات المحروقة، متاجر مخربة، بنى تحتية عامة متضررة
التصعيد المطلبي: المطالب الـ13 لـGenZ 212
في نهاية يوم 2 أكتوبر، نشر مديرو تجمع GenZ 212 على خادمهم الرسمي في Discord قائمة مُنظمة من 13 مطلباً. توضح هذه الوثيقة التوسع السريع للحركة، من شكاوى صحية قطاعية إلى مطالب تمس الهندسة المؤسسية والسياسة الخارجية والنموذج الاقتصادي للمملكة.
تحتوي هذه القائمة على مطالب ذات طبيعة غير متجانسة للغاية، بعضها يندرج ضمن مطالب إصلاحية مشروعة (الرقابة المدنية على الخدمات العامة، استقلال القضاء)، وأخرى تنخرط في منطق إعادة تأسيس جذرية (حل البرلمان، تأميم معمم)، وأخرى تُدخل أبعاداً جيوسياسية منفصلة عن الشكاوى الأولية (إلغاء التطبيع مع إسرائيل).
من بين المطالب: إلغاء تنظيم كأس أمم أفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، استقالة الحكومة وحل البرلمان، محاكمة كبار المسؤولين الحكوميين، تأميم العيادات والمدارس الخاصة، تعديل النظام الانتخابي، إلغاء التطبيع مع إسرائيل، وإلغاء بعض القوانين القانونية.
يحدد معهد آفاق الجيوسياسي في هذا التصعيد المطلبي عدة مؤشرات مميزة للحركات الاحتجاجية التي انتقلت من احتجاج مُحدد إلى منازعة نظامية: توسع أسّي في المطالب، إدخال أجندات أيديولوجية خارجية، رفض شامل للمؤسسات، غياب الترتيب بين مطالب واقعية وغير واقعية، تشخيص انتقامي (استهداف اسمي لمسؤولين سياسيين).
⚠️ تحليل معهد آفاق: متلازمة « الربيع العربي »
يقدم هذا التسلسل تشابهات مقلقة مع الديناميكيات الملاحظة في تونس (2010-2011) ومصر (2011) وسوريا (2011-2012): محفز اجتماعي مشروع (هنا صحي، هناك أمني أو اقتصادي)، امتداد جغرافي وموضوعي سريع للمطالب، ظهور مطالب متطرفة تجعل أي تفاوض مستحيلاً، وتسلل محتمل للحركة من قبل جهات تسعى وراء أجندات أيديولوجية خاصة. إدراج المطلب المتعلق بالتطبيع مع إسرائيل يشكل مؤشراً كاشفاً بشكل خاص لهذا الاستحواذ.
3. GenZ 212: سوسيولوجيا قطيعة جيلية
ملف الحركة
يجسد تجمع GenZ 212 شكلاً جديداً من الاحتجاج: أفقي، رقمي، غير سياسي بالمعنى الحزبي لكن سياسي بعمق في مطالبه. خصائصه الرئيسية تشمل: إخفاء هوية المنظمين مما يعقد أي محاولة للتفاوض أو القمع الموجه، تنظيم على Discord يسمح بالتنسيق الفوري مع إنشاء خوادم موضوعية ونشر أدلة الأمن الرقمي، خطاب اجتماعي غير حزبي يرفض أي انتماء لأحزاب سياسية تقليدية ومركز على قضايا ملموسة مثل الصحة والتعليم والفساد، إتقان ملحوظ للرموز الرقمية مع إنتاج محتويات فيروسية مثل الميمات ومقاطع الفيديو القصيرة والرسوم البيانية الفعالة، وقدرة على التحرك السريع تسمح بالانتقال من التنسيق عبر الإنترنت إلى العمل في الشارع في ساعات قليلة.
لكن نشر قائمة المطالب الـ13 يكشف حدود هذا التنظيم الأفقي. غياب الفلترة الفكرية والترتيب الاستراتيجي يؤدي إلى كتالوج غير متجانس يخلط بين مقترحات بناءة ومطالب ديماغوجية. هذا التناقض يُضعف مصداقية الحركة ويوحي إما بفقدان السيطرة من قبل مؤسسيها المعتدلين، أو بتسلل ناجح من قبل جهات أيديولوجية خارجية.
شباب في قطيعة مع الأطر التقليدية
هذا الجيل، المولود بعد سنوات 2000، يواجه بطالة هيكلية، وهشاشة معممة، وشعوراً بالإقصاء من العمليات القرارية. تُترجم حركة GenZ 212 قطيعة ثلاثية: قطيعة مع الأحزاب السياسية، المنظورة كفاسدة وغير فعالة؛ قطيعة مع النقابات التقليدية، المحكوم عليها بالبيروقراطية والانفصال عن الشباب؛ قطيعة مع شخصيات السلطة المؤسسية، المتهمة بالاحتقار والغطرسة.
4. الخطأ الاستراتيجي الحكومي
بيان كارثي
يشكل البيان المنشور في 30 سبتمبر 2025 من قبل الأغلبية الحكومية حالة نموذجية في التواصل السياسي الفاشل. يحدد معهد آفاق عدة ثغرات رئيسية: غياب التعاطف مع عدم ذكر صريح للأسر الثكلى وعدم الاعتراف بالمعاناة المعاشة؛ لغة تكنوقراطية مع استخدام صيغ إدارية فارغة يصعب فهمها على المواطن العادي؛ وعود غير موثوقة مع إعلان عن 30,000 منصب دون جدول زمني أو ميزانية مفصلة أو آلية متابعة؛ غياب النقد الذاتي دون أي اعتراف بالأخطاء المرتكبة، لا في الإدارة الصحية ولا في التواصل؛ نبرة دفاعية حيث يُقرأ البيان كتبرير لاحق بدلاً من تحمل المسؤولية.
القمع قبل الحوار
اختيار رد أمني فوري مع اعتقالات جماعية منذ 27 سبتمبر، قبل أي محاولة حوار، عزز إدراك دولة استبدادية وصماء عن المطالب المدنية. هذا التسلسل قمع-ثم-حوار فُسر كمناورة تكتيكية بدلاً من انفتاح حقيقي.
عدم فهم الديناميكيات الرقمية
استهانت الحكومة بقدرة الحركة على إعادة التنظيم عبر الإنترنت بعد كل موجة قمع. غياب استراتيجية تواصل رقمي موثوقة ترك المجال مفتوحاً للسرديات الاحتجاجية، التي هيمنت على الفضاء الإعلامي طوال التسلسل.
5. التوقيت الاستراتيجي: تقارب انفجاري
الدخول البرلماني
تندلع الأزمة عشية دورة الخريف للبرلمان، اللحظة التي يجب فيها على الحكومة تقديم حصيلتها وتوجهاتها الميزانياتية. يمثل هذا التسلسل لحظة ضعف مؤسسي أقصى.
كأس أمم أفريقيا 2025
يستعد المغرب لاستضافة كأس أمم أفريقيا في يناير 2025، واجهة دولية كبرى. أي إدراك لعدم استقرار داخلي يخاطر بتشويه صورة المملكة. التناقض بين المليارات المستثمرة في الملاعب وأوجه القصور في النظام الصحي غذى الخطاب الاحتجاجي. مطلب إلغاء كأس أمم أفريقيا من قبل GenZ 212 يوضح هذا التوتر الميزانياتي المُدرك.
مجلس الأمن الأممي بشأن الصحراء الغربية
قرب تجديد ولاية المينورسو والمناقشات حول وضع الصحراء الغربية يشكل لحظة دبلوماسية حاسمة للمغرب. أي صورة لعدم استقرار داخلي يمكن استغلالها لإضعاف موقفه. إدراج مطلب إلغاء التطبيع مع إسرائيل في قائمة GenZ 212 يوفر بالضبط هذا النوع من الرافعة للخصوم الإقليميين للمملكة.
6. البعد المعرفي: تضخيم خارجي لأزمة داخلية
طريقة عمل الحرب المعرفية
يحدد معهد آفاق نمطاً كلاسيكياً للاستغلال المعرفي في خمس مراحل.
المرحلة 1: رصد ثغرة داخلية، أي الفضيحة الصحية في أكادير.
المرحلة 2: التضخيم العاطفي عبر حسابات وسيطة على وسائل التواصل الاجتماعي.
المرحلة 3: السردية السياسية مع موضوعات مثل « دولة بوليسية »، « شباب مضحى به » و »فساد معمم ».
المرحلة 4: تدويل الخطاب عبر الشتات ووسائل الإعلام الأجنبية.
المرحلة 5: الربط مع استحقاقات حساسة لتعظيم الأثر المزعزع للاستقرار.
إدراج المطلب الجيوسياسي المتعلق بإلغاء التطبيع مع إسرائيل يؤكد هذا الاستغلال المعرفي. هذا المطلب، المنفصل تماماً عن الشكاوى الصحية الأولية، يشكل مؤشر تسلل أيديولوجي يهدف إلى إضعاف الموقع الدولي للمغرب بالضبط في لحظة المناقشات الأممية حول الصحراء.
حدود التفسير التآمري
قراءة خارجية محضة للأزمة ستكون خطأً فادحاً. الحرب المعرفية لها تأثير فقط لأن الشكاوى حقيقية ولأن الحكومة قدمت بنفسها مادة زعزعة استقرارها. اللجوء إلى أطروحة « التلاعب الأجنبي » دون تصحيح الأخطاء الداخلية سيكون خطأً استراتيجياً كبيراً.
7. ردود الفعل السياسية
الأغلبية الحكومية (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال)
خطاب حذر وشرعي. اعتراف جزئي بشرعية المطالب لكن رفض أي نقد ذاتي جوهري. إصرار على « الإصلاحات الجارية » دون مراعاة الإلحاح الاجتماعي. دعوة متأخرة للحوار، فُسرت كمناورة تكتيكية.
المعارضة (حزب العدالة والتنمية، أحزاب اليسار)
دعم صريح لمطالب المحتجين. إدانة القمع والاعتقالات. نقد لاذع لإدارة الحكومة لقطاع الصحة. بعض شخصيات الشباب المناضل انضموا فعلياً للاحتجاجات، معززين الاستقطاب السياسي.
فاعلو المجتمع المدني
مواقف غير متجانسة. بعض جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان أدانت العنف الشرطي. منظمات أخرى دعت للهدوء والثقة في المؤسسات. نقابات الصحة والتعليم عبرت عن تضامنها مع المطالب.
8. التطورات المحتملة
المسار 1: التطرف والاشتعال الدائم
إذا حافظت الحكومة على نهج قمعي أساساً دون انفتاح سياسي جوهري، تخاطر الأزمة بالترسخ على المدى الطويل. يمكن لشريحة من الحركة أن تتطرف، منتقلة إلى أعمال أكثر عنفاً واستهدافاً. تشديد الخطاب الحكومي سيؤدي إلى تجريم متزايد لأي شكل من الاحتجاج، مغذياً دورة عنف-قمع.
يمكن لهذه الديناميكية أن تمتد جغرافياً نحو المناطق الصحراوية والمناطق الريفية المهمشة، حيث الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية قوية أيضاً. على الصعيد الدبلوماسي، هذا الاستقرار المطول سيُضعف الموقف المغربي خلال المناقشات حول الصحراء في مجلس الأمن الأممي، موفراً حججاً لخصومه الإقليميين. الصورة الدولية للمملكة ستتدهور تدريجياً، مؤثرة على الاستثمارات الأجنبية والسياحة.
التصعيد المطلبي الموثق في قائمة المطالب الـ13 يجعل هذا المسار أكثر احتمالاً. استحالة التفاوض مع حركة معظم مطالبها غير واقعية يخلق مأزقاً هيكلياً. إدراج مطالب جيوسياسية يوفر مداخل للفاعلين الإقليميين المعادين لأدْلجة الأزمة.
الأثر المتوقع: حرج للاستقرار الوطني والموقع الدولي
المسار 2: تهدئة مؤقتة دون إصلاحات هيكلية
في هذا السيناريو الوسيط، ستقوم الحكومة بتنازلات رمزية: إقالات جديدة لمسؤولين إداريين، وعود ميزانياتية غير ملزمة، تدابير تجميلية مقدمة كإصلاحات. إرهاق المحتجين، مقترناً بالقمع الانتقائي، سيؤدي إلى تهدئة مؤقتة للتوترات في الشارع.
لكن غياب إصلاحات هيكلية سيحافظ على عدم ثقة عميقة بين الحكومة والشباب. المطالب الأساسية المتعلقة بالصحة والتعليم والتوظيف والكرامة ستبقى غير مُرضية. سيخلق هذا الوضع أرضية مواتية لإعادة ظهور الاحتجاج عند الأزمة القطاعية القادمة، سواء كانت صحية أو تعليمية أو اقتصادية. دورة الإدارة التفاعلية ستستمر: الحكومة ستواصل معالجة الأعراض بدلاً من الأسباب، فاقدة تدريجياً قدرتها على التوقع والسيطرة على الأزمات. الشرعية المؤسسية ستتآكل ببطء لكن بشكل لا رجعة فيه.
الأثر المتوقع: معتدل على المدى القصير، لكن إضعاف تراكمي للعقد الاجتماعي
المسار 3: إعادة تأسيس العقد الاجتماعي
إذا اغتنمت الحكومة هذه الأزمة كفرصة للتحول، يمكنها بدء حوار وطني حقيقي يربط الشباب والمجتمع المدني والمهنيين الصحيين والفاعلين الاقتصاديين. يجب أن يُفضي هذا الحوار إلى خطة طوارئ صحية محسوبة ومُموّلة وجدولة بشفافية، تغطي الفترة 2025-2027.
التواصل الحكومي سيُصلح بعمق، مفضلاً الشفافية والتعاطف والاعتراف الصريح بالأخطاء الماضية. هيئات وساطة مدنية ستُنشأ لتوجيه الاحتجاج في إطار ديمقراطي بناء، محولة الطاقة الاحتجاجية إلى قوة اقتراح.
على الصعيد الدولي، هذا النهج سيُقدَّم كمثال على المرونة الديمقراطية: دولة قادرة على الاستماع لشبابها وتكييف سياساتها العامة. هذه السردية الإيجابية ستُواجه الخطابات المعادية خلال الاستحقاقات الدبلوماسية الكبرى، خاصة في الأمم المتحدة وخلال كأس أمم أفريقيا 2025. هذا المسار سيحول الأزمة إلى محفز لتحديث الحوكمة العامة، معززاً على المدى المتوسط استقرار المملكة ومصداقيتها الدولية.
لكن الطبيعة المتطرفة للعديد من مطالب GenZ 212 تعقد هذا المسار. على الحكومة تطوير استراتيجية التفاف، مخاطبة الشرائح المعتدلة من الشباب مباشرة مع عزل العناصر المتطرفة من الحركة.
الأثر المتوقع: تحويلي، توطيد المرونة المؤسسية (لكن احتمال مُخفّض)
9. التوجهات الاستراتيجية لمعهد آفاق
أمام هذه التطورات المحتملة، يحدد معهد آفاق الجيوسياسي خمسة محاور عمل ذات أولوية لتعظيم فرص سلوك مسار إعادة التأسيس وتقليل مخاطر التطرف:
إعادة تأسيس التواصل الحكومي
يجب على التواصل الرسمي التخلي عن اللغة التكنوقراطية لصالح خطاب متعاطف يتمحور حول المواطنين. اعتراف علني ورسمي بالأخطاء المرتكبة في إدارة الأزمة الصحية في أكادير يشكل شرطاً مسبقاً لا غنى عنه. إنشاء خلية دائمة لتواصل الأزمات، مُدرَّبة على الديناميكيات الرقمية وقادرة على التدخل الفوري، سيسمح بتجنب الانحرافات المستقبلية. البيانات الرسمية يجب أن تفضل رسائل قصيرة وملموسة وقابلة للتحقق بدلاً من وعود عامة.
أمام التصعيد المطلبي، يجب على الحكومة التمييز علناً بين المطالب المشروعة والقابلة للتحقيق (الرقابة المدنية على الخدمات العامة، استقلال القضاء، إصلاح انتخابي) والمطالب غير الواقعية (تأميمات جماعية، إلغاء فعاليات دولية، حل مؤسسي). هذا التمييز المطلبي سيسمح بعزل العناصر البناءة من المقترحات الديماغوجية.
تدابير طوارئ صحية موثوقة
خطة طوارئ ثلاثية مزودة بميزانية موجهة وشفافة يجب إعلانها سريعاً. توظيف المهنيين الصحيين يجب أن يتبع جدولاً زمنياً فصلياً معلناً، مع معالم قابلة للتحقق. تجديد المستشفيات المحددة كمعطوبة يجب أن يكون موضوع قائمة علنية مصحوبة بمواعيد نهائية دقيقة. آلية متابعة مدنية عبر الإنترنت، بشكل لوحة قيادة محدثة شهرياً، ستضمن الشفافية والمساءلة.
عمل رمزي موصى به: تحويل فوري لمستشفى الحسن الثاني في أكادير إلى « مستشفى رائد » يستفيد من استثمارات ضخمة ومتابعة إعلامية دائمة، مظهراً بشكل ملموس إرادة الحكومة لتصحيح الأخطاء النظامية.
حوار مؤسسي مع الشباب
إنشاء مجلس وطني للشباب بصلاحيات استشارية حقيقية سيسمح بتوجيه التطلعات الجيلية في إطار مؤسسي. تنظيم مناظرات وطنية للشباب في نوفمبر 2025، بمشاركة واسعة من جمعيات طلابية ونقابات ومنظمات غير حكومية، سيوفر منصة حوار بناء. دمج ممثلي المجتمع المدني الشبابي في اللجان البرلمانية سيعزز شرعية القرارات. إطلاق برنامج إدماج مهني مستهدف سيقدم أجوبة ملموسة للتوقعات الاقتصادية.
نظراً للطبيعة المتطرفة لمطالب GenZ 212، يمكن للحكومة تطوير استراتيجية التفاف، مخاطبة الشرائح المعتدلة من الشباب مباشرة دون المرور عبر التجمع، مع تجنب أي وصم صريح قد يثير تأثير الإيذاء.
الهجوم المضاد المعرفي
خلية يقظة معرفية تعمل باستمرار ستسمح برصد وتفكيك السرديات المعادية بسرعة قبل انتشارها الفيروسي. إنتاج محتويات رقمية ذات جودة تُقيّم الإصلاحات الجارية والنجاحات المغربية سيوازن الخطابات السلبية. تعبئة مراكز الفكر الوطنية، بما فيها معهد آفاق، كوسيط تحليل مستقل سيضفي مصداقية على التواصل الحكومي. تعاون معزز مع المنصات الرقمية سيحد من نشر التضليل المنظم مع احترام حرية التعبير.
أولوية: تفكيك المطالب غير الواقعية بالوقائع بشرح انعكاساتها القانونية والاقتصادية والجيوسياسية، لعزل العناصر المتطرفة فكرياً بإظهار عدم مسؤولية مطالبهم.
استباق الاستحقاقات الدولية
إعداد ملف تواصل دولي عن الإصلاحات الاجتماعية المغربية، منتشر قبل كأس أمم أفريقيا 2025، سيسمح بأخذ مبادرة السردية. تنظيم زيارات ميدانية للدبلوماسيين ووسائل الإعلام الدولية، في إطار شفافية مُتحكم فيها، سيُظهر إرادة التغيير. تعبئة الدبلوماسية البرلمانية لمواجهة السرديات المعادية في الأمم المتحدة أمر لا غنى عنه. تحويل الأزمة إلى سرد مرونة ديمقراطية سيوفر ميزة استراتيجية كبرى.
فرصة جيوسياسية: مطلب إلغاء التطبيع مع إسرائيل يوفر بشكل متناقض للمغرب فرصة لتعزيز روابطه مع شركائه الدوليين بإظهار أنه يقاوم ضغوط مناهضة التطبيع، سردية قابلة للاستغلال خلال المناقشات الأممية حول الصحراء.
الخلاصة: تحويل الأزمة إلى فرصة
تشكل أزمة خريف 2025 لحظة حقيقة للمغرب. تكشف حدود حوكمة تكنوقراطية منفصلة عن الواقع الاجتماعي والعجز عن إقامة علاقة ثقة مع شباب في قطيعة.
التصعيد المطلبي الملاحظ في قائمة المطالب الـ13 المنشورة من قبل GenZ 212 في 2 أكتوبر يوضح ظاهرة كلاسيكية: الانتقال من احتجاج قطاعي مشروع إلى منازعة نظامية منفصلة جزئياً عن الواقع المؤسسي والجيوسياسي. هذا التطرف، المميز لديناميكيات نوع « الربيع العربي »، يعقد بشكل كبير أي مخرج من الأزمة عبر التفاوض.
لكن هذا التسلسل يجب ألا يُقرأ فقط كتهديد، بل أيضاً كفرصة تاريخية لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي المغربي. تملك الحكومة نافذة ضيقة لاستعادة المبادرة: الاعتراف بأخطائها في الملفات القطاعية، الإعلان عن إصلاحات موثوقة، التمييز علناً بين المطالب المشروعة والمطالب غير الواقعية، ومأسسة الحوار مع الشرائح المعتدلة من الشباب.
البديل واضح: إما أن يختار المغرب طريق الإصلاح الاستباقي المُميَّز ويوطد بذلك استقراره على المدى الطويل، أو يستمر في منطق قمعي حصرياً ويتعرض لدورات متكررة من الاحتجاج، بعواقب محتملة مزعزعة للاستقرار على الصعيدين الداخلي والدولي.
المجتمعات المرنة ليست تلك التي قمعت بشكل أفضل، بل تلك التي عرفت كيف تحول المطالب الشعبية المشروعة إلى محركات إصلاحات مؤسسية، مع عزل العناصر المتطرفة والديماغوجية.
يملك المغرب الموارد البشرية والفكرية والمالية لجعل هذه الأزمة منعطفاً إيجابياً. يبقى فقط أن يقبل قادته « عدم توفير العصا بعد الآن » – أي التوقف عن تغذية الديناميكيات الاحتجاجية بأنفسهم عبر عدم كفاءتهم التواصلية وصممهم السياسي – مع تطوير القدرة على التمييز بين الغضب المشروع والمزايدة الأيديولوجية.
جدول مقارن للبيانات
| البيان الرسمي (30/09/2025) | النهج البديل |
|---|---|
| إعلان عام عن 30,000 منصب دون جدول زمني أو ميزانية | التزام محسوب: 12,000 منصب في 2025-2026، ميزانية 8 مليارات درهم، متابعة فصلية علنية |
| قرض صفر دون آليات محددة | برنامج قرض صغير مدعوم بمرافقة لريادة الأعمال وتقييم مستقل |
| غياب الاعتراف بالأخطاء | اعتراف صريح بالإخفاقات وتقديم اعتذارات للأسر الثكلى |
| نبرة تكنوقراطية وشرعية | لغة متعاطفة، ملموسة، متمحورة حول المواطنين |
| غياب الجدول الزمني | جدول زمني دقيق مع معالم قابلة للتحقق كل ثلاثة أشهر |
© معهد آفاق الجيوسياسي (IGH)
تحليل استراتيجي مستقل – تشرين الأول/أكتوبر 2025









