مذكرة توجيه استراتيجي
5 سبتمبر 2025
الملخص التنفيذي
تمر الجزائر بأزمة دبلوماسية متعددة الأبعاد تتسم بثلاثة انقطاعات شبه متزامنة مع الولايات المتحدة والمغرب وتحالف دول الساحل. إن وقف الوساطة الأمريكية، والذي أشارت إليه إعادة تعيين جوشوا هاريس إلى بغداد، يكشف عن امتعاض واشنطن من الاستراتيجيات المماطلة الجزائرية. هذا التشكيل الجديد يثير إعادة تركيب جيوسياسي كبير: ترسيخ المواقف المغربية بشأن الصحراء الغربية، وتكثيف الاتصالات بين الحركة القبائلية وعدة وزارات خارجية غربية وعربية، والانقطاع الاستراتيجي مع تحالف دول الساحل إثر حادثة الطائرة المسيرة في أبريل 2025. يكشف التحليل عن عزلة نظامية وليس ظرفية، مع تداعيات دائمة على الهيكل الأمني المغاربي الساحلي.
مقدمة
يشهد التشكيل الجيوسياسي للمغرب العربي والساحل في سبتمبر 2025 تحولاً هيكلياً محفزاً بالعزلة الدبلوماسية المتنامية للجزائر. ثلاثة انقطاعات حدثت خلال فترة قصيرة بشكل ملحوظ – حوالي ثلاثة أسابيع بين أغسطس وسبتمبر 2025 – ترسم معالم إعادة تركيب استراتيجي بتداعيات قارية.
هذا التحليل، المبني على عناصر واقعية يمكن التحقق منها ومصادر دبلوماسية مباشرة، يدرس آليات هذا الانقطاع الثلاثي وتداعياته النظامية. إن تزامن هذه الأزمات، بعيداً عن كونه مصادفة، يكشف حدود الاستراتيجية الجزائرية للمماطلة التي انقلبت ضد مصمميها.
أولاً: نهاية الوساطة الأمريكية: الأسباب والعواقب
⚠️ نقطة تنبيه: الوساطة الأمريكية
أنهت واشنطن جهود الوساطة بين الجزائر والرباط منذ حوالي ثلاثة أسابيع، وفقاً لمصادر متطابقة. هذا الانقطاع، إن تأكد، يُفسر بما يصفه المراقبون بـ »المناورات المماطلة » من الجانب الجزائري، بهدف كسب الوقت لتجنب عقوبات محتملة مع محاولة إعادة تفعيل قنوات دبلوماسية أخرى، خاصة مع فرنسا.
المؤشر الأكثر واقعية لهذا التغيير في الموقف الأمريكي يكمن في التعيين الأخير لجوشوا هاريس كقائم بالأعمال في بغداد. هاريس، الذي كان مسؤولاً عن الملف الجزائري والصحراء الغربية في وزارة الخارجية منذ عام 2023 على الأقل، جسد الجهد الأمريكي للوساطة. إعادة تعيينه إلى العراق يشكل إشارة دبلوماسية واضحة للانسحاب من الملف الجزائري المغربي.
الاستراتيجيات المماطلة المنسوبة للجزائر كانت تهدف، وفقاً للتحليلات المتاحة، إلى هدف مزدوج: المماطلة أمام الضغوط الأمريكية مع استكشاف بدائل دبلوماسية. هذا النهج المجزأ يبدو أنه أدى إلى تآكل صبر وثقة الوسطاء الأمريكيين، محولاً الحياد المتعاطف إلى ما قد يصبح عداء نشطاً.
على المستوى الأممي، تشير مصادر دبلوماسية إلى إمكانية تحويل المينورسو إلى مانساسو خلال الاجتماع القادم لمجلس الأمن في أكتوبر 2025. هذا التطور، إن تحقق بدعم الولايات المتحدة كدولة راعية وأربعة أعضاء غير دائمين، سيكرس تغييراً أساسياً في النهج الدولي لملف الصحراء الغربية.
بالتوازي، كثفت وزارة الخارجية اتصالاتها مع ممثلي حركة تقرير المصير للقبائل (ماك) والحكومة المؤقتة القبائلية في المنفى (أنافاد). هذا التطور، إن تأكد، سيمثل نقطة تحول في النهج الأمريكي للقضية القبائلية، والتي تُنظر إليها الآن كرافعة ضغط محتملة على الجزائر.
ثانياً: المأزق المغربي الجزائري والمسألة الإقليمية
المفاوضات الثنائية بين المغرب والجزائر، التي بدت تتقدم نحو تطبيع يرمز إليه مشاريع ترميم السفارات، اصطدمت بعقبة كبيرة تتعلق بترسيم الحدود الإقليمية. وفقاً لمعلومات غير مؤكدة رسمياً، قبلت الجزائر في البداية الاقتراح الأمريكي لاستبعاد مسألة الحدود من المفاوضات، خاصة فيما يتعلق بالصحراء الشرقية التي يطالب بها المغرب تاريخياً.
لكن حدث تراجع تكتيكي، حيث طالبت الجزائر أخيراً بتنازل مغربي رسمي عن هذه الأراضي. إن صحت هذه المعلومة، فهي تكشف عن استراتيجية الحفاظ على الوضع الراهن الصراعي بدلاً من البحث الصادق عن التطبيع. الصحراء الشرقية، المدمجة في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية، تبقى مسألة ذاكرة حساسة للمغرب.
بالنسبة للمغرب، يقدم الحفاظ على الوضع الراهن بشكل متناقض عدة مزايا استراتيجية قابلة للتحديد. إنه يديم العزلة الجيوسياسية للجزائر ويعزز جهاز الاحتواء الإقليمي. كان التطبيع سيؤدي آلياً إلى استئناف التبادل التجاري، مما قد يخفف من اقتصاد جزائري يواجه صعوبات في الإمداد في عدة قطاعات.
يسمح الوضع الراهن أيضاً للمغرب بالحفاظ على المبادرة الزمنية بشأن مطالبة إقليمية محتملة تتعلق بمحافظاته الشرقية، محافظاً بذلك على شكل من أشكال الضغط الدبلوماسي الكامن. التعنت الجزائري في ملف الصحراء الغربية، في سياق دولي يتطور نحو اعتراف متزايد بالموقف المغربي، يساهم وفقاً لعدة مراقبين في إضعاف شرعية النظام السياسي العسكري الجزائري.
ثالثاً: الانقطاع مع تحالف دول الساحل: العزلة الساحلية
ملاحظة المعهد الجيوسياسي آفاق: الأزمة مع تحالف دول الساحل
حادثة الطائرة المسيرة المالية في أبريل 2025 عجلت بانقطاع دبلوماسي كبير بين الجزائر والدول الثلاث في تحالف دول الساحل. الاستدعاء الجماعي للسفراء، وإغلاق المجال الجوي الجزائري أمام مالي والاتهامات المتبادلة تمثل تدهوراً بلا سابقة. التزامن الزمني بين إيداع الشكوى المالية وخطاب الرئيس تبون خلال المعرض التجاري الإفريقي يشير إلى عمل منسق يهدف إلى إحباط الطموحات الإفريقية للجزائر.
الأزمة بين الجزائر وتحالف دول الساحل تشكل المظهر الأكثر وضوحاً للعزلة الإقليمية للجزائر. إسقاط طائرة مسيرة مالية بواسطة الجيش الجزائري في أبريل 2025 أطلق حلزاناً دبلوماسياً حول حادثة حدودية إلى انقطاع استراتيجي.
الروايات تختلف جذرياً: الجزائر تحافظ على شرعية عملها أمام انتهاك مجالها الجوي، بينما تدين دول تحالف الساحل العدوان وتصوغ اتهامات بالتواطؤ مع الجماعات المسلحة. الاستدعاء الجماعي لسفراء تحالف الساحل، متبوعاً بإجراءات جزائرية متبادلة تشمل إغلاق المجال الجوي أمام مالي، يوضح عمق الانقطاع.
العنصر الأكثر أهمية يكمن في توقيت الشكوى المودعة رسمياً من قبل مالي ضد الجزائر. تزامنها مع خطاب الرئيس الجزائري خلال المعرض التجاري الإفريقي يبدو صعب الصدفة. في اللحظة الدقيقة التي عرض فيها الرئيس تبون استراتيجية إنعاش النفوذ الجزائري في إفريقيا جنوب الصحراء، واجهه مالي بواقع جيوسياسي قاس. هذا التزامن يشير إلى تنسيق دبلوماسي يهدف إلى تقويض الطموحات القارية للجزائر علناً.
هذا الانقطاع يحرم الجزائر من « العمق الاستراتيجي » الساحلي التقليدي، مفهوم محوري في عقيدتها الجيوسياسية منذ الاستقلال. إقصاء الجزائر من الديناميكيات الأمنية الإقليمية يضعف بشكل كبير قدرتها على التأثير في الملفات عابرة الحدود الحرجة: الإرهاب، التهريب غير المشروع، تدفقات الهجرة. المستفيد الموضوعي من هذا التشكيل يبقى المغرب، الذي يظهر الآن كشريك أكثر موثوقية لدول الساحل.
رابعاً: ظهور فاعلين جدد: القبائل وقوى الخليج
💡 تركيز: المسألة القبائلية
شكلت القبائل تاريخياً كيانات سياسية مستقلة، خاصة مملكة كوكو، قبل الفتوحات العثمانية ثم الفرنسية. هذه الأسبقية التاريخية تغذي المطالب المعاصرة لحركة تقرير المصير القبائلية والحكومة المؤقتة القبائلية في المنفى. إعلان أحادي الجانب لاستقلال القبائل مُخطط له في ديسمبر 2025، مع إمكانية التبكير حسب تطور السياق الجيوسياسي.
الانقطاع المفترض للوساطة الأمريكية حفز ديناميكية جديدة بشأن المسألة القبائلية. وفقاً لمصادر قريبة من الحركة الاستقلالية، تكثفت الاتصالات مع وزارة الخارجية الأمريكية في الأسابيع الأخيرة، بعد فترة وُصفت بـ »الخمول ». هذا الاستئناف يتزامن زمنياً مع تغيير الموقف الأمريكي تجاه الجزائر.
يؤكد القادة القبائليون أنهم في « مناقشات متقدمة إلى حد ما » مع عدة وزارات خارجية. إلى جانب الولايات المتحدة، أُقيمت اتصالات مع وزارة الخارجية البريطانية، « على المستوى الرئاسي » مع فرنسا، ومع « بعض دول الخليج منها الإمارات العربية المتحدة ». هذا التنويع في المحاورين، إن تأكد، سيمثل تطوراً نوعياً في الدبلوماسية القبائلية.
بشأن الإمارات العربية المتحدة تحديداً، استؤنفت التبادلات المبدوءة في مارس 2025 بكثافة بعد فترة هدوء. تشير مصادر دبلوماسية قبائلية إلى انتقال وشيك إلى مرحلة « عملياتية »، مصطلح يشير إلى دعم يتجاوز الإطار السياسي المحض. هذا الانخراط الإماراتي المحتمل ينخرط في الاستراتيجية الأوسع لأبو ظبي لإسقاط النفوذ في المتوسط الغربي.
منظور إعلان أحادي الجانب لاستقلال القبائل في ديسمبر 2025، مع إمكانية التبكير « إذا ظهر سياق جيوسياسي مناسب أبكر »، وفقاً لما نُقل عن قائد قبائلي رفيع، يدخل متغير عدم استقرار إضافي. التدويل التدريجي لهذه المسألة يحول طبيعتها: من قضية داخلية جزائرية، تتطور نحو ملف يشمل فاعلين دوليين كبار.
الخلاصة الاستراتيجية
التشكيل الجيوسياسي لسبتمبر 2025 يكشف عن جزائر تواجه عزلة متعددة الأبعاد تتجاوز مصادرها الحالات الدبلوماسية المعتادة. استراتيجية المماطلة، الفعالة لعقود للملاحة بين الخصومات الإقليمية، تبدو وقد وصلت إلى حدودها الهيكلية.
تراكم الانقطاعات شبه المتزامنة – الأمريكية، المغربية، الساحلية – مقترناً بالتفعيل المحتمل للمسألة القبائلية، يرسم لوحة إحاطة استراتيجية. هذا التشكيل ينتج آلياً إعادة تركيب للتوازنات الإقليمية: ترسيخ المواقف المغربية، استقلالية تحالف دول الساحل، ظهور فاعلين نفوذ جدد.
تتوفر الجزائر بالتأكيد على أصول متبقية – موارد طاقوية، جهاز عسكري، عمق إقليمي – لكن تعبئتها الفعالة تتطلب مراجعة عقائدية يبدو النظام الحالي عاجزاً هيكلياً عن تشغيلها. الجمود المؤسسي والأيديولوجي للسلطة الجزائرية يحد بشكل كبير من هوامش تكيفها أمام بيئة إقليمية في تحول متسارع.
فرضيات السيناريو على المدى المتوسط
السيناريو الأول – التصعيد المحكوم
تحافظ الجزائر على موقف التعنت، راهنة على قدرتها على المقاومة ومواردها الطاقوية. يُعلن الإعلان الأحادي لاستقلال القبائل مع اعترافات محدودة لكن ذات دلالة رمزية. تتزايد التوترات على عدة جبهات دون تجاوز عتبة المواجهة العسكرية المباشرة. يخضع النظام الجزائري لتآكل تدريجي لشرعيته الداخلية والخارجية دون انهيار فوري.
السيناريو الثاني – إزالة التصعيد البراغماتية
فصيل براغماتي داخل السلطة الجزائرية يفرض تغيير المسار أمام تراكم الضغوط. استئناف المفاوضات مع المغرب على أسس واقعية تستبعد مؤقتاً المسائل الإقليمية الأكثر حساسية. وساطة إفريقية لتهدئة التوترات مع تحالف دول الساحل. حوار متجدد مع واشنطن يشمل ضمانات بشأن المسألة القبائلية. هذا الخيار يتطلب تنازلات جوهرية صعبة على النظام الحالي تحملها.
السيناريو الثالث – الأزمة النظامية
اقتران الضغوط الخارجية والهشاشات الداخلية يثير أزمة كبرى للنظام. اضطرابات اجتماعية مرتبطة بالصعوبات الاقتصادية المضخمة بالعزلة. تفعي
السيناريو الثالث – الأزمة النظامية
اقتران الضغوط الخارجية والهشاشات الداخلية يثير أزمة كبرى للنظام. اضطرابات اجتماعية مرتبطة بالصعوبات الاقتصادية المضخمة بالعزلة. تفعيل منسق للمطالبة القبائلية مع دعوم دولية جوهرية. توترات متزايدة على الحدود. هذا السيناريو قد يفرض إعادة تشكيل عميقة للنظام السياسي الجزائري تحت ضغط داخلي وخارجي مجتمع.
التوصيات الاستراتيجية والردود المتوقعة
الفاعلون الدولة الإقليميون يواجهون ضرورة إدارة جزائر مُضعفة دون إثارة انهيار مزعزع للاستقرار. الحفاظ على قنوات اتصال سرية، رغم التوترات الرسمية، يبدو لا غنى عنه لمنع التصعيدات غير المحكومة. المغرب، المستفيد الظاهر الرئيسي من الوضع، سيضطر على الأرجح إلى تعديل مكاسبه الدبلوماسية لتجنب دفع الجزائر نحو ردود فعل غير متوقعة. دول تحالف الساحل، مع تأكيد استقلاليتها المستعادة، قد تسعى في النهاية إلى شكل من التهدئة المعايرة، مدركة أن جزائر مزعزعة تماماً ستخلق فراغاً أمنياً ضاراً للجميع.
المؤسسات الدولية، خاصة الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، تجد نفسها في وضع حساس. تدخلها المبكر جداً قد يُنظر إليه كمنحاز، لكن انتظارها قد يترك الوضع يتدهور. هذه المنظمات ستطور على الأرجح آليات وساطة غير رسمية، قابلة للتفعيل بسرعة في حالة تدهور حرج. الأمم المتحدة، عبر وكالاتها المتخصصة، تتوقع مسبقاً التداعيات الإنسانية المحتملة لأزمة جزائرية، خاصة من ناحية تدفقات الهجرة والأمن الغذائي الإقليمي.
الفاعلون الاقتصاديون الدوليون، خاصة في القطاع الطاقوي، يسرعون تنويع إمداداتهم مع الحفاظ على حضور أدنى في الجزائر. هذه استراتيجية التحوط تهدف إلى الحفاظ على الخيارات المستقبلية مع تقليل التعرض للمخاطر. الشركات الأوروبية، الحاضرة تاريخياً، تعيد تقييم استثماراتها في ضوء عدم استقرار محتمل مطول. المشغلون الآسيويون، خاصة الصينيون، قد يستغلون فرص إعادة التموضع هذه، متقبلين مستويات مخاطر أعلى مقابل وصول مميز للموارد.
تطور المسألة القبائلية سيشكل اختباراً كبيراً للدبلوماسية الدولية. القوى المتورطة ستضطر إلى معايرة دعمها للحفاظ على ضغط كافٍ على الجزائر دون إطلاق تجزئة غير محكومة للأراضي الجزائرية. الإمارات، الداخل الجديد في هذه المعادلة، ستقدم على الأرجح دعماً متدرجاً، مشروطاً بتطورات السياق الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية الأوسع في المتوسط.
ملاحظات:
1 « الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وتحالف دول الساحل تستدعي وساطة عاجلة »، معهد دراسات الأمن، 2025.
2 « أزمة دبلوماسية بين الجزائر والدول الثلاث في تحالف دول الساحل »، وكالة فيدس، أبريل 2025.
3 « صراعات في المغرب العربي: الساحل مركز الرهانات »، المنبر الجديد، 2025.
4 « الجزائر ودول الساحل: عمق استراتيجي في انقطاع »، موقع كيد، 2025.
5 « لا شيء يسير بين الجزائر ودول تحالف الساحل »، دويتشه فيله، 2025.
© المعهد الجيوسياسي آفاق – سبتمبر 2025
وثيقة مرجعية: IGH-NS-Maghreb-20250905








