تحليل جيوسياسي استشرافي معهد الآفاق الجيوسياسية عبد الحكيم يماني مايو 2025
🔴 الملخص التنفيذي
تشهد الجزائر تحت حكم عبد المجيد تبون أزمة نظامية متعددة الأبعاد تهدد سلامتها الإقليمية وبقاءها كدولة موحدة. خمسة مؤشرات متقاربة تشير إلى تحول جيوسياسي تاريخي: الحصار الاستراتيجي المنظم من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة في الساحل، عسكرة الحدود من قبل موريتانيا، احتمال تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، المفاوضات الإماراتية مع الحركة القبائلية ماك، والشائعات المستمرة حول عدم قدرة تبون على إكمال ولايته.
هذا التقارب بين العوامل الداخلية والخارجية يجسد المثل العربي « كل ما بني على باطل فهو باطل »: الجزائر، البناء الفرنسي المكون من أراضي مبتورة من جيرانها، تواجه تحدياً وجودياً لحدودها الموروثة من الاستعمار. السيناريو الأكثر احتمالاً يرسم إعادة تشكيل إقليمي تدريجي على حساب الجزائر الحالية، في سياق إعادة تشكيل جيوسياسي إقليمي تنظمه تحالف الإمارات-المغرب-دول الساحل.
مقدمة: تشريح انحدار معلن
في 24 مايو 2025، تجد الجزائر نفسها تواجه تقارباً غير مسبوق من التهديدات الوجودية التي تثير تساؤلات حول استدامتها ضمن حدودها الحالية. وراء الأعراض المرئية لنظام في أزمة – إعادة انتخاب تبون بنسبة 94.65% من الأصوات لكن بأقل من 24% مشاركة، قمع متزايد لحركة الحراك، علاقات دبلوماسية مقطوعة مع شبه جميع الجيران – تبرز ديناميكيات أعمق تتحدى الهندسة الجيوسياسية الموروثة من إنهاء الاستعمار.
جرت اجتماعات عمل مكثفة في الرباط نحو نهاية النصف الأول من مايو مع مسؤول رفيع المستوى من وزارة الخارجية الأمريكية أقام سراً في المغرب لعدة أيام. وإذا كان ملف الصحراء المغربية في محور الأعمال، فقد تمت معالجة ملفات إقليمية أخرى بعمق، مما يشير إلى إعادة تشكيل استراتيجي كبرى للسياسة الأمريكية في المغرب العربي-الساحل.
هذه المعلومات، المتقاطعة مع التطورات الأخيرة، تكشف عن ظهور إجماع دولي جديد حول إعادة تشكيل جيوسياسي إقليمي يهمش الجزائر بشكل منهجي. اللغز الجيوسياسي يبدأ في التجمع: حصار إماراتي من الجنوب، عسكرة موريتانية من الجنوب الغربي، تصنيف محتمل للبوليساريو كمنظمة إرهابية، وتفعيل الملف القبائلي عبر المفاوضات مع الماك.
الأول. الحصار الاستراتيجي: هندسة التهميش
التسلسل الدبلوماسي لمايو 2025 – زيارة الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان لعواصم دول تحالف الساحل الثلاث (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) متبوعة فوراً بمهمة صدام حفتر للنيجر – ليس مصادفة. إنه يجسد تفعيل استراتيجية حصار الجزائر المنظمة من أبو ظبي، مستغلة الشقوق الساحلية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
🟠 هندسة الاحتواء الإماراتي
الهجوم الإماراتي يتمحور حول ثلاثة محاور متقاربة:
1. الدبلوماسية الاقتصادية الواسعة: تعد الإمارات بحوالي 97 مليار دولار من الاستثمارات في أفريقيا، مستهدفة بالأولوية دول تحالف الساحل. في مالي، يرافق تمديد بروتوكول الدفاع لعام 2019 مشاريع طاقة (محطة طونا الشمسية، 93 ميغاواط). في النيجر، تهدف الاستثمارات التعدينية والطاقية إلى تأمين الإمداد الإماراتي باليورانيوم. في بوركينا فاسو، تعزز الاتفاقيات الزراعية والبنية التحتية السيطرة الاقتصادية.
2. التحالف العسكري مع قوات حفتر: زيارة صدام حفتر للنيجر، المتوجة بوسامه الرسمي، تكشف البعد العسكري للاحتواء. الاتفاقيات الأمنية المبرمة تتعلق بمراقبة الحدود والاستيلاء المحتمل على قاعدة مادما الفرنسية السابقة، المنشأة الاستراتيجية على الحدود الليبية-النيجيرية.
3. الحرب الطاقية: التمويل الإماراتي لخط أنابيب الغاز الأطلسي الأفريقي (AAGP) الرابط بين نيجيريا والمغرب عبر الأطلسي يدق ناقوس موت المشروع الجزائري المنافس لخط أنابيب الغاز العابر للصحراء. هذه الإعادة التشكيل الطاقية تحرم الجزائر من منافذها الطبيعية نحو غرب أفريقيا.
إعلان موريتانيا حدودها الشمالية الشرقية (منطقة لبريقة) مع الجزائر كمنطقة عسكرية محرمة على المدنيين يشكل إشارة دبلوماسية كبرى. هذا القرار، المبرر رسمياً بمكافحة التهريب، يندرج ضمن منطق عزل منهجي للجزائر من قبل جيرانها.
🟠 جغرافية الحصار العسكري
شمالاً: توترات مع إسبانيا وقطيعة مع فرنسا
غرباً: قطيعة كاملة مع المغرب، إنشاء مناطق عسكرية مغربية مواجهة للجزائر
جنوباً غرباً: عسكرة الحدود الموريتانية (منطقة لبريقة)
جنوباً: السيطرة الإماراتية على تحالف الساحل والتحالف مع الجيش الوطني الليبي مهدداً قاعدة مادما الاستراتيجية
شرقاً: نفوذ مهمش في ليبيا أمام التحالف التركي-الإماراتي
إعلان النائب الأمريكي جو ويلسون عن التصنيف المحتمل للبوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) سيشكل ضربة قاتلة للدبلوماسية الجزائرية. هذا التصنيف الجديد، إذا تحقق، سيحول الدعم الجزائري للحركة الانفصالية إلى دعم لمنظمة إرهابية مصنفة، مع كل العواقب القانونية والمالية المترتبة.
الثاني. تشريح انهيار نظامي داخلي
إعادة انتخاب تبون في سبتمبر 2024 بنسبة 94.65% من الأصوات لكن بمعدل مشاركة أقل من 24% يكشف عجزاً مأساوياً في الشرعية. في القبائل، معقل الاحتجاج التاريخي، انخفض معدل المشاركة تحت حاجز 1%، مما يوضح انفصالاً ديمقراطياً بحكم الأمر الواقع. هذا الانقطاع بين السلطة والمجتمع يخلق فراغاً سياسياً قابلاً للاستغلال من قبل الحركات الانفصالية والتدخلات الخارجية.
القمع يتكثف: عشرات الاعتقالات خلال الحملة الانتخابية، سجن نشطاء وفنانين ومحامين بذريعة تبرير الإرهاب. القانون الجنائي الجديد لمايو 2024 يجرم أي انتقاد لقوات الأمن والرموز الوطنية، محولاً الجزائر إلى دولة بوليسية.
مرسوم 6 يونيو 2024 يعزز السيطرة العسكرية على الشؤون المدنية، واضعاً العدالة والمؤسسات العامة والإدارة تحت الوصاية العسكرية المباشرة. هذه العسكرة مصحوبة بتطهير داخلي: 155 ضابطاً كبيراً محبوسون حالياً في سجن بليدة العسكري، رقم قياسي غير مسبوق يكشف عن حجم الشقوق داخل المؤسسة الأمنية.
المفاوضات المذكورة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وحركة تقرير المصير لمنطقة القبائل (ماك) تشكل تهديداً وجودياً مباشراً. هذا الاستغلال للقضية القبائلية من قبل قوة خارجية معادية يعيد إنتاج النمط الكلاسيكي للتفكيك الإقليمي: دعم خارجي لحركة انفصالية في سياق ضعف السلطة المركزية.
القبائل، بـ 6 ملايين نسمة ومواردها الاقتصادية المهمة، تمثل 15% من السكان الجزائريين المتركزين على إقليم استراتيجي مواجه للبحر المتوسط. انفصالها عن الجزائر سيشكل سابقة كبرى لمطالب استقلالية أخرى. معدل المشاركة الانتخابية الأقل من 1% في سبتمبر 2024 يكشف انفصالاً ديمقراطياً بحكم الأمر الواقع.
الثالث. سيناريوهات استشرافية: نحو إعادة التشكيل الإقليمي
المثل العربي « كل ما بني على باطل فهو باطل » يجد هنا معناه الجيوسياسي الكامل. الجزائر، البناء الفرنسي المكون في جزء كبير من أراضي مبتورة من البلدان المجاورة (المغرب، تونس، ليبيا، مالي)، تواجه تحدياً منهجياً لحدودها الاصطناعية. عملية التفتت ستتبع منطقاً جغرافياً وعرقياً: استقلال القبائل شمالاً، عودة الأراضي الشرقية نحو تونس وليبيا، تعديلات حدودية لصالح المغرب ومالي.
• إقصاء أو وفاة تبون قبل نهاية ولايته
• أزمة خلافة داخل النظام العسكري
• تصعيد التوترات مع تحالف الساحل يؤدي لصراع مسلح
• تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية
• انتفاضة شعبية في القبائل مع اعتراف دولي
• انهيار اقتصادي مع أعمال شغب عامة
🟠 تسلسل التفتت الإقليمي
المرحلة الأولى (2025-2026): إعلان الاستقلال القبائلي مع دعم إماراتي واعتراف دولي تدريجي
المرحلة الثانية (2026-2027): مفاوضات ثلاثية الجزائر-المغرب-الأمم المتحدة حول وضع المحافظات الشرقية
المرحلة الثالثة (2027-2030): إعادة ترتيب إقليمي تحت إشراف دولي مع عودة تدريجية للأراضي التاريخية للبلدان المجاورة (المغرب، تونس، ليبيا، مالي)
🟠 أطراف الحرب الأهلية متعددة الفصائل
في هذا السيناريو، تراكم الأزمات الداخلية والخارجية يثير انهياراً سريعاً للدولة الجزائرية، على نموذج ليبيا ما بعد 2011:
• القوات الموالية المتركزة في الجزائر
• جمهورية القبائل المستقلة المدعومة من الإمارات
• فصائل عسكرية إقليمية
• جماعات إرهابية تستغل الفوضى
• تدخلات خارجية متعددة (المغرب، تونس، مالي، قوى دولية)
السيناريو الأقل احتمالاً الذي يتمكن فيه النظام الجزائري من استقرار الوضع عبر مزيج من الإصلاحات الدستورية المحدودة والانفتاح الاقتصادي المحكوم والمصالحة مع بعض الجيران.
الرابع. الآثار الجيوسياسية الإقليمية
🟠 محاور جيوسياسية جديدة
إعادة التشكيل الجيوسياسي الجارية ترسم معالم نظام إقليمي جديد مفصل حول ثلاثة محاور:
1. المحور الأطلسي المغرب-تحالف الساحل: المبادرة الملكية المغربية التي تقدم وصولاً للمحيط الأطلسي للبلدان الساحلية المحاطة باليابسة، مدعومة مالياً من دولة الإمارات العربية المتحدة.
2. المحور الطاقي نيجيريا-المغرب: خط أنابيب الغاز AAGP المتجاوز للجزائر والمنشئ لجغرافيا طاقية غرب أفريقية جديدة.
3. المحور الأمني الإمارات-تحالف الساحل-ليبيا: تعاون عسكري وأمني يستبعد الجزائر من التوازنات الساحلية الجديدة.
الاجتماعات السرية في الرباط بين المسؤولين الأمريكيين والمغاربة تشير إلى إعادة تموضع استراتيجي لواشنطن في المغرب العربي. إدارة ترامب 2.0، بسياستها التعاملية، قد تسرع تهميش الجزائر لصالح تحالف معزز مع المغرب وملكيات الخليج.
الخامس. عوامل التسارع وإشارات الإنذار
سياسياً: شائعات مستمرة حول عدم قدرة تبون على إكمال ولايته
اقتصادياً: انخفاض احتياطات الصرف الأجنبي، عجز ميزانية متنامي
أمنياً: تكاثر الحوادث الحدودية مع جميع الجيران
اجتماعياً: عودة الاحتجاج في القبائل، إضرابات قطاعية
دولياً: عزلة دبلوماسية متزايدة، فقدان النفوذ الإقليمي
تحليل الديناميكيات المتقاربة يكشف أن الجزائر تمر بأزمة وجودية غير مسبوقة منذ استقلالها. تقارب الانهيار النظامي الداخلي والحصار الجيوسياسي الخارجي يخلق شروط إعادة تشكيل إقليمي كبرى يجسد المثل « كل ما بني على باطل فهو باطل ».
🟢 التقييم الاستشرافي النهائي
احتمال المحافظة على الوضع الإقليمي الراهن (0-5 سنوات): 15%
احتمال التفتت التدريجي: 65%
احتمال الانهيار النظامي: 20%
السيناريو الأكثر احتمالاً: تفتت إقليمي تدريجي يبدأ باستقلال القبائل (2025-2026)، متبوعاً بتعديلات حدودية متفاوض عليها تحت ضغط دولي (2027-2030). هذه العملية ستتم في إطار إعادة تشكيل جيوسياسي إقليمي ينظمه تحالف الإمارات-المغرب-تحالف الساحل.
الـ « ناقوس » المذكور في عنوان هذا التحليل لا يقرع بعد نهائياً للجزائر، لكن علامات الإنذار المبكر لتحول تاريخي كبرى باتت واضحة الآن. نافذة الفرصة لاستقرار النظام ضمن حدوده الحالية تنغلق بسرعة، أمام ديناميكيات تفتت يبدو أنها اكتسبت زخمها الذاتي.
هذا الاستشراف ليس أمنية ولا نبوءة، بل تحليل دقيق للاتجاهات الثقيلة التي تشكل المستقبل الجيوسياسي للمغرب العربي والساحل. الجزائر تقف عند مفترق طرق تاريخي حيث ستحدد خيارات الأشهر القادمة ما إذا كانت ستتمكن من تجاوز هذه الأزمة متعددة الأبعاد أم ستنضم إلى قائمة الدول التي لم تنج من إعادة التشكيلات الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين.








