هجوم السمارة: بين العلم الزائف وحرب الأجنحة في الجزائر
معهد الجيوسياسي آفاق – مذكرة استراتيجية
عبد الحكيم يماني، محلل جيوسياسي
IGH-NS-Sahara-20250629
الملخص التنفيذي
يشتمل الهجوم الذي وقع في 27 يونيو 2025 ضد مطار السمارة ونقطة لبعثة الأمم المتحدة (المينورسو) على تناقضات تكتيكية كبرى تشير إلى عملية « علم زائف مُسيطر عليه ». إن التوقيت، والاستخدام المقصود للذخائر الإيرانية، والفشل التقني المشبوه، واستهداف الأمم المتحدة، كلها عوامل تتجه نحو فرضية فصيل جزائري يسعى لتسريع تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية من قبل واشنطن مع تقويض الثنائي تبون-شنقريحة في الوقت نفسه.
مقدمة: هجوم متعدد الألغاز
في 27 يونيو 2025، نفذت وحدة من جبهة البوليساريو هجوماً بالصواريخ ضد مطار السمارة المدني ونقطة مراقبة لبعثة الأمم المتحدة (المينورسو) في الصحراء الغربية تحت السيطرة المغربية. هذه العملية، التي لم تسفر عن أي ضحايا رغم استخدام عدة قذائف، تطرح أربعة أسئلة جوهرية تُشكك في المنطق الاستراتيجي الظاهر لهذا العمل.
أولاً، لماذا الهجوم خلال الـ72 ساعة التي تلت تسلسلاً انفجارياً: تقديم المشروع الأمريكي للمنظمات الإرهابية الأجنبية، ثم النقاش الداخلي الجزائري حول « الجمهورية الثانية »؟
ثانياً، ما المنطق الذي يدفع لاستهداف بعثة الأمم المتحدة في سياق دولي غير مؤاتٍ بالفعل؟
ثالثاً، كيف نفسر الاستخدام الظاهر للذخائر الإيرانية التي تكشف عمداً تواطؤاً استراتيجياً حساساً؟
وأخيراً، لماذا « أخطأت » جميع الصواريخ أهدافها – هل كانت مُعدة للعثور عليها وتحديد هويتها؟
يقترح هذا التحليل إطار قراءة بديل: عملية « علم زائف مُسيطر عليه » نظمها تيار من المؤسسة الجزائرية في سياق حرب سلطة داخلية تعارض أربعة أجنحة متميزة بدلاً من كتلتين متعاديتين.
التوقيت المتناقض: هجوم ما بعد تشريعي
مشروع قانون H.R. Wilson-Panetta، المُقدم في 24 يونيو 2025 لمجلس النواب والمُعلن عنه علناً في 26 يونيو من قبل تحالف من الحزبين بقيادة النائبين جو ويلسون (جمهوري-ساوث كارولينا) وجيمي بانيتا (ديمقراطي-كاليفورنيا)، يهدف إلى إدراج جبهة البوليساريو على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية¹. هذه المبادرة، التي تستفيد من زخم سياسي مؤاتٍ منذ الاتفاق الثلاثي لتطبيع العلاقات الإسرائيلية-المغربية في ديسمبر 2020، كانت تبحث تحديداً عن عناصر واقعية لتبرير هذا التصنيف.
هجوم السمارة، الذي وقع في 27 يونيو أي بعد ثلاثة أيام من التقديم التشريعي، يقدم بالضبط الأدلة المطلوبة: عدوان ضد البنية التحتية المدنية، انتهاك لوقف إطلاق النار لعام 1991، استهداف بعثة أممية.
⚠️ تنبيه تحليلي
أجهزة الاستخبارات الجزائرية، المشهورة بمهنيتها، لا يمكنها تجاهل الجداول التشريعية الأمريكية. هجوم « عرضي » في هذا التوقيت تحديداً يتحدى كل منطق عملياتي كلاسيكي.
استهداف المينورسو: استراتيجية التوتر أم تخريب دبلوماسي؟
يُشكل الهجوم ضد نقطة بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) انتهاكاً كبيراً للقانون الدولي. هذه البعثة، التي أُسست بالقرار 690 لمجلس الأمن عام 1991، تتمتع بالحصانة الدبلوماسية ويمكن أن يؤدي استهدافها إلى عقوبات دولية تلقائية².
بالنسبة للبوليساريو، المدعوم تقليدياً من الجزائر في المحافل الدولية، هذا العمل يخاطر بإحداث انفصال من مؤيديه الأفارقة والعالم ثالثيين. الاتحاد الأفريقي، الذي يعترف بـ »الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية »، لا يمكنه الدفاع علناً عن منظمة تهاجم الأمم المتحدة.
هناك قراءتان ممكنتان. الأولى، الرسمية، تريد أن يسعى البوليساريو لشل المينورسو التي يتهمها بالسلبية أمام التوسع المغربي. الثانية، الأكثر دقة، تشير إلى أن فصيلاً خارجياً عن البوليساريو يستخدم هذه الحركة لتقويض الدبلوماسية الجزائرية متعددة الأطراف، ركيزة استراتيجية تبون منذ 2019.
الذخائر الإيرانية: مؤشر على تواطؤ معلن
التحليل التقني للحطام المُجمع في موقع الهجوم كشف عن استخدام ذخائر من طراز « فجر-5 » إيرانية الصنع، وفقاً لتقرير سري للأمم المتحدة³. هذا الكشف يؤكد التعاون العسكري بين طهران وجبهة البوليساريو، الذي كان محل تكهنات لسنوات.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو التوقيت المتعمد لهذا الكشف. مصادر أمنية جزائرية ذكرت أن رئيس الأركان سعيد شنقريحة أصدر تعليمات صارمة منذ أسابيع بأن يُسلم البوليساريو جميع أسلحته الإيرانية لمستودعات المنطقة العسكرية الثالثة⁴. استخدام هذا النوع من الذخائر تحديداً يطرح أسئلة حول الامتثال لهذه التعليمات أو وجود قنوات توريد بديلة.
الفشل التقني: « إخفاق » مقصود للعرض الأقصى؟
يبقى الجانب الأكثر إثارة للألغاز في هذا الهجوم فشله العملياتي التام. لم تصل أي من الصواريخ المُطلقة إلى أهدافها المُعلنة، رغم استهداف بنية تحتية ثابتة وكبيرة الحجم. هذا « الخرق » يثير سؤالاً حاسماً: هل كانت الذخائر مُعدة للعثور عليها وتحديد هويتها بدلاً من تدمير أهدافها؟
بالنسبة لحركة مسلحة تملك خبرة عسكرية لخمسة عقود وإطار تقني خارجي، مثل هذا الفشل ينتمي إما لعدم الكفاءة التامة – فرضية غير مقنعة – أو لحساب متعمد. منطق « الضرب للإظهار » بدلاً من « الضرب للتدمير » يقدم تماسكاً استراتيجياً أعلى في السياق التشريعي الأمريكي.
حرب الأجنحة الجزائرية: بين « الجمهورية الثانية » والهيمنة العسكرية
تحليل المستفيدين المحتملين من هذه العملية يوجه نحو قراءة داخلية جزائرية تجد إضاءة خاصة في النقاش الأخير حول « الجمهورية الثانية ». سفيان جيلالي، رئيس حزب الجيل الجديد، دعا مؤخراً إلى تأسيس سياسي عميق لإخراج الجزائر من « أزمتها متعددة الأبعاد » وتجاوز حدود الجمهورية الأولى الناشئة من الاستقلال⁵.
هذا الاقتراح للدمقرطة أثار رد فعل مكشوف من سعيد بن صديرة، الشخصية الإعلامية المعروفة بقربها من الدوائر العسكرية « الصلبة ». في رده، طالب بن صديرة بـ »جمهورية الشرعية العلمية » مؤسسة على « هيمنة الأحذية العسكرية [البراديم العسكرية] »، رافضاً صراحة أي انفتاح ديمقراطي ومنادياً بتعزيز السيطرة العسكرية على الدولة⁶.
مذكرة معهد الآفاق الجيوسياسية
تجزئة السلطة الجزائرية إلى أربعة أجنحة متميزة (تبون الضعيف، شنقريحة الرجل القوي المكروه، جيلالي المتحدث باسم جناح غير محدد، بن صديرة منادي العسكريتاريا) تحول كل أزمة إلى فرصة لإعادة توازن القوى.
الخلاصة الاستراتيجية: نحو إعادة تشكيل قسرية
هجوم السمارة في 27 يونيو 2025 يندرج أقل في منطق مقاومة صحراوية كلاسيكية منه في استراتيجية إعادة تشكيل جيوسياسية إقليمية. تناقضاته التكتيكية المتعددة تتجه نحو فرضية عملية « علم زائف مُسيطر عليه » نظمها فصيل من المؤسسة الجزائرية.
هذا الفصيل، الذي تبقى هويته الدقيقة محل تحديد، يبدو أنه يسعى لهدف ثلاثي: تسريع تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية من قبل واشنطن، تقويض دبلوماسية التوازن لتبون، وإجبار الجزائر على انحياز جيوستراتيجي معلن على محور طهران-موسكو.
عواقب هذه الاستراتيجية تتجاوز الإطار الصحراوي لتؤثر على مجمل البنية الأمنية المغاربية-الساحلية. تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية سيغير التوازنات الإقليمية ويجبر الجزائر على تبني تحالفاتها الاستراتيجية علناً، منهية خمسة عقود من سياسة عدم الانحياز.
💡 فرضيات السيناريوهات
السيناريو الأول (احتمال عالي): تسريع التصنيف الأمريكي – مشروع قانون ويلسون-بانيتا يمر خلال الأشهر الثلاثة القادمة، مستخدماً هجوم السمارة كدليل مدعم.
السيناريو الثاني (احتمال متوسط): تفكك التحالف الجزائري الداخلي – الكشف عن العمليات الإيرانية يؤدي إلى صراع علني بين شنقريحة وحلفاء بن صديرة.
السيناريو الثالث (احتمال منخفض): تصعيد إقليمي – الجزائر تختار المواجهة المباشرة مع المغرب لتفادي الانهيار الداخلي.
💡 التوصيات
للدول: ضرورة إعادة تقييم التحالفات الإقليمية في ضوء تطورات السياسة الجزائرية الداخلية، مع التحضير لسيناريوهات انهيار التوازنات التقليدية في المغرب العربي.
للمؤسسات الدولية: تعزيز آليات المراقبة والوساطة في النزاع الصحراوي، مع إعداد خطط طوارئ للتدخل في حالة تصعيد عسكري.
للشركات: إعادة تقييم المخاطر الأمنية والاستثمارية في شمال أفريقيا، مع وضع خطط احترازية للعمليات في المناطق المحاذية للصحراء الغربية.
الهوامش:
1. سجل الكونغرس، H.R. 4119 « قانون تصنيف جبهة البوليساريو الإرهابية »، 24 يونيو 2025.
2. القرار 690 لمجلس الأمن للأمم المتحدة، 29 أبريل 1991، إنشاء المينورسو.
3. التقرير التقني للأمم المتحدة حول الحطام المجمع في السمارة، الوثيقة S/2025/498، 28 يونيو 2025.
4. مصادر سرية جزائرية نقلتها جريدة الخبر وإيشروق أونلاين، 25-26 يونيو 2025.
5. مقابلة مع سفيان جيلالي، « بلدنا يحتاج إلى إصلاحات جوهرية »، الجزائر الوطنية، 27 مايو 2024.
6. سعيد بن صديرة، « الجمهورية الثانية »، منشور شخصي على فيسبوك، 28 يونيو 2025.
© 2025 معهد جيوسياسي آفاق (IGH). جميع الحقوق محفوظة







