مذكرة توجيه استراتيجي
مرجع معهد الجيوسياسي آفاق
المغرب العربي-20250821
الملخص التنفيذي
تمثل الوساطة التي يقوم بها مسعد بولوس بين المغرب والجزائر أكثر من مجرد مبادرة دبلوماسية بسيطة. إنها تشكل رأس حربة لاستراتيجية أمريكية معقدة تهدف إلى إقامة هيمنة مزدوجة على موارد الصحراء وإعادة تشكيل الهندسة الأمنية المغاربية. هذه العملية، المنسقة بمشاركة فعالة من السفيرة إليزابيث مور أوبين في الجزائر، تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية: تأمين الوصول الأمريكي إلى الصحراءين (الغربية والشرقية)، ودمج الجيش الجزائري في منظومة أفريكوم، وإقامة مدخل مزدوج نحو منطقة الساحل. إن المراجعة القسرية للتشريعات الجزائرية حول المحروقات (الانتقال من نسبة 51/49 إلى 20/80 لصالح الشركات الأجنبية) تشهد على النجاح الجزئي لهذه الاستراتيجية التي، رغم حفاظها شكلياً على الشراكة مع الرباط، تهدف إلى تقليل التفرد المغربي في المعادلة الإقليمية الأمريكية.
أولاً: مقدمة – وساطة بولوس، ستار دخان استراتيجي
منذ عدة أشهر، تتناقل المستشاريات المغاربية معلومات حول وساطة أمريكية بين المغرب والجزائر، ينسقها مسعد بولوس، رجل الأعمال اللبناني الأمريكي المقرب من دوائر السلطة في واشنطن. هذه المبادرة، المقدمة كمحاولة لتطبيع العلاقات بين القوتين الإقليميتين، تخفي في الواقع مناورة استراتيجية من عيار مختلف تماماً. العناصر التي جمعها معهد الآفاق الجيوسياسي، والمدعمة بالتطورات الأخيرة على الأرض، تكشف عن عملية معقدة للاختراق الاقتصادي والأمني الأمريكي تهدف إلى تحويل الموازين الإقليمية بشكل جذري.
إن توظيف وساطة شكلية لخدمة أهداف جيواستراتيجية أوسع ليس بالأمر الجديد في الدبلوماسية الأمريكية. لكن حجم وتعقيد العملية الحالية يشكل منعطفاً في نهج واشنطن تجاه المغرب العربي. باستخدام شخصية بولوس، الذي تتجاوز شبكات أعماله الانقسامات الإقليمية، وجدت الولايات المتحدة الأداة المثالية لاستراتيجية لا يمكن تنفيذها علناً دون إثارة ردود فعل معاكسة، خاصة من المغرب، الحليف التاريخي الذي يخاطر برؤية موقعه المتميز يذوب في هذا التشكيل الجديد.
هذه المذكرة السياساتية تحلل الآليات العميقة لهذه الاستراتيجية الأمريكية، وطرائق تنفيذها، وتداعياتها على الموازين الإقليمية. إنها تعتمد على تحليل التحركات الدبلوماسية الأخيرة، والتغييرات التشريعية في الجزائر، وإعادة التموضعات العسكرية المرصودة، خاصة النقل عالي الرمزية لرئيس أركان الجيش البري الجزائري إلى مقر أفريكوم في شتوتغارت، المنسق من قبل السفيرة مور أوبين.
ثانياً: تشريح السيطرة – الحالة الجزائرية
2.1 إليزابيث مور أوبين: مهندسة التبعية الناعمة
تجسد السفيرة الأمريكية في الجزائر، إليزابيث مور أوبين، النهج الأمريكي الجديد في الجزائر. بعيداً عن الملف التقليدي للدبلوماسي المحترف، تجمع مور أوبين بين الخبرة الاقتصادية والحس الحاد للمناورة السياسية. دورها يتجاوز كثيراً دور ممثلة دبلوماسية بسيطة؛ إنها تعمل كـ »موجه » حقيقي للسلطة الجزائرية، منسقة بمهارة التحول التدريجي للبلاد إلى مرحل لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة.
إن انتقال رئيس أركان الجيش البري الجزائري إلى شتوتغارت، تحت إشراف مور أوبين، يشكل لحظة مفصلية في هذه الاستراتيجية. هذه الرحلة، المقدمة كزيارة تقنية للتعاون العسكري، تمثل في الواقع الاندماج التدريجي للجهاز العسكري الجزائري في الهندسة الأمنية الأمريكية. الرمزية قوية: الجيش الجزائري، عمود النظام والحارس الغيور على السيادة الوطنية منذ الاستقلال، يقبل فعلياً شكلاً من أشكال الوصاية الأمريكية متنكرة في شكل شراكة. هذا التطور، المستحيل التصور حتى قبل سنوات قليلة، يشهد على فعالية استراتيجية الإغراء والضغط التي تمارسها واشنطن.
2.2 الاستسلام الطاقوي: من 51/49 إلى 20/80
تمثل مراجعة التشريعات الجزائرية حول المحروقات ربما الانتصار الأكثر إشراقاً للاستراتيجية الأمريكية. الانتقال من نسبة المشاركة 51/49 (51% للدولة الجزائرية، 49% للشركاء الأجانب) إلى نسبة معكوسة 20/80 لصالح الشركات الأجنبية يمثل أكثر من مجرد تعديل تقني بسيط. إنه استسلام منظم للنظام الجزائري أمام الضغوط الأمريكية، تنازل عن السيادة الاقتصادية على الموارد الاستراتيجية للبلاد.
هذا التطور التشريعي، المفروض تحت غطاء الضرورة الاقتصادية وتحديث القطاع الطاقوي، يفتح أبواب الصحراء الشرقية على مصراعيها أمام الشركات الأمريكية. شيفرون وإكسون موبيل وشقيقاتها يمكنهن الآن استغلال الاحتياطيات الهائلة من الغاز الصخري والنفط غير التقليدي في حوض الصحراء بحرية عمل شبه كاملة. توقيت هذه المراجعة ليس عفوياً: يتزامن تماماً مع وساطة بولوس والاستراتيجية الأمريكية للاختراق الصحراوي المزدوج.
النظام الجزائري، الضعيف بسبب الأزمات المتتالية وغير القادر على تنويع اقتصاده الريعي، وجد نفسه في وضع عدم القدرة على مقاومة هذه الهجمة الأمريكية. الجمع بين الضغوط الاقتصادية (عبر المؤسسات المالية الدولية)، والإغراء السياسي (وعود الدعم الدولي)، والضمانات الأمنية (الحماية من التهديدات الداخلية والخارجية) أنهى آخر مقاومات السلطة الجزائرية. هذا الاستسلام الطاقوي ينذر بتبعية أوسع تحول الجزائر تدريجياً إلى دولة تابعة للولايات المتحدة، على حساب شراكاتها التقليدية مع روسيا والصين.
ثالثاً: استراتيجية الصحراوين – الهاجس الأمريكي
تكشف وساطة بولوس عن الهاجس الأمريكي للسيطرة على الصحراوين – الغربية والشرقية. هذه الاستراتيجية، ذات التماسك المخيف، تهدف إلى تأمين الوصول الأمريكي إلى الموارد الطبيعية الهائلة لهذه المساحات بينما تؤسس موقعاً مهيمناً في المنطقة. الصحراء الغربية، بفوسفاطها ومواردها البحرية وإمكانياتها الطاقوية البحرية، تمثل رهاناً اقتصادياً كبيراً. الصحراء الشرقية الجزائرية، باحتياطياتها الضخمة من المحروقات غير التقليدية، تشكل من جهتها احتياطياً استراتيجياً للمستقبل الطاقوي الأمريكي.
بتنسيق تطبيع العلاقات المغربية الجزائرية، تسعى واشنطن لتحقيق هدف مزدوج. من جهة، نزع فتيل نزاع الصحراء الغربية الذي يعقد الاستغلال الأمثل لموارد المنطقة. ومن جهة أخرى، خلق بيئة إقليمية مستقرة تسمح للشركات الأمريكية بالعمل بحرية في الصحراوين دون خشية الاضطرابات الجيوسياسية. هذا النهج، الساخر في براغماتيته، يتجاهل مواقف المبدأ والالتزامات التاريخية ليحتفظ فقط بتعظيم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية.
اعتراف إدارة ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية عام 2020 يظهر بأثر رجعي كمرحلة أولى من هذه الاستراتيجية. بتأمين التحالف مع الرباط من خلال هذا التنازل الكبير، ضمنت واشنطن التعاون المغربي بينما تعد الأرضية للمرحلة التالية: الانفتاح الجزائري. وساطة بولوس تشكل إذن الفصل الثاني من هذه المسرحية الجيواستراتيجية، الهادفة إلى التوفيق بين المواقف للسماح باستغلال مشترك أو على الأقل غير متضارب لموارد الصحراء.
رابعاً: الساحل – البوابة الأمريكية المزدوجة
يتمثل أحد الأهداف الاستراتيجية الكبرى لوساطة بولوس في إقامة مدخل أمريكي مزدوج نحو الساحل. حتى الآن، كان الإسقاط الأمريكي في هذه المنطقة الحساسة يعتمد بشكل كبير على التعاون المغربي. القواعد اللوجستية للمملكة واستقرارها السياسي ونفوذها الدبلوماسي في غرب أفريقيا كانت أصولاً لا غنى عنها للعمليات الأمريكية. هذا الاعتماد الحصري خلق مع ذلك هشاشة استراتيجية تسعى واشنطن الآن لتصحيحها.
بتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية ودمج الجزائر في منظومتها الإقليمية، تزود الولايات المتحدة نفسها ببديل استراتيجي. الجزائر، بحدودها الممتدة على 1200 كيلومتر مع مالي والنيجر، تقدم وصولاً مباشراً إلى قلب الساحل. جيشها، الأكبر في المنطقة من ناحية العديد والمعدات، يمكن أن يصبح شريكاً عملياتياً ثميناً للعمليات المضادة للإرهاب والاستقرار. هذا التنويع في الخيارات يسمح لواشنطن بعدم الاعتماد حصرياً على الإرادة الطيبة المغربية وبامتلاك روافع ضغط إضافية في مفاوضاتها الإقليمية.
دمج الجيش الجزائري في أفريكوم يمثل التجسيد العملياتي لهذه الاستراتيجية. بقبول هذا الدمج، ولو التدريجي والمقنع، تتخلى الجزائر فعلياً عن مذهب عدم الانحياز وشكها التقليدي في المنظومات العسكرية الغربية. هذا التطور، المسهل بواسطة الضغوط الاقتصادية والضمانات الأمنية الأمريكية، يحول الجزائر إلى مرحل محتمل للعمليات الأمريكية في الساحل، خالقاً بذلك تكراراً استراتيجياً يقلل آلياً من الأهمية النسبية للمغرب في المنظومة الإقليمية الأمريكية.
التوصيات للمغرب
- تعبئة معززة حول الصحراء الشرقية: تكثيف التعبئة حول قضية الصحراء الشرقية، المبتورة تاريخياً بفعل الاستعمار، بتسليط الضوء على التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لهذه المنطقة.
- الموازاة مع أضرار النووي الفرنسي: إبراز التوازي بين قضية الصحراء الشرقية وعواقب التجارب النووية الفرنسية في المنطقة، لتعزيز الحجة حول الظلم التاريخي والآثار الدائمة للاستعمار.
- تعزيز الفاعلين الداخليين: إشراك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والحركات الشعبية بفعالية في الدفاع عن المصالح الوطنية.
- تنويع الشراكات الاستراتيجية: رغم أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة، يجب على المغرب استكشاف وتعزيز تحالفاته مع قوى إقليمية ودولية أخرى لتقليل اعتماده وزيادة هامش مناورته الدبلوماسية.
- الموقع الاستراتيجي في الساحل: الاستمرار في تأكيد دوره كمثبت وشريك أساسي في منطقة الساحل، بطرح حلول مبتكرة وتعزيز تعاونه مع البلدان الساحلية، بغض النظر عن المبادرات الأمريكية.
- المراقبة الاستراتيجية المستمرة: الحفاظ على مراقبة دائمة لتطورات الاستراتيجية الأمريكية والديناميكيات الإقليمية، لاستباق التهديدات وتحديد الفرص لتعديل سياسته الخارجية.









