تحليل ديناميات التطبيع والآفاق الجيوستراتيجية
معهد الجيوسياسي آفاق (IGH) – مذكرة استراتيجية
عبد الحكيم يماني
02 اغسطس 2025
IGH-NS-المغرب العربي-20250731
الخلاصة التنفيذية
يشهد صيف 2025 منعطفاً جيوسياسياً كبيراً في المغرب العربي مع بروز إشارات دبلوماسية متقاربة نحو التطبيع المغربي الجزائري. الخطاب الملكي في 31 يوليو 2025، وإعادة الهيكلة السياسية الداخلية الجزائرية، والتنسيق الدبلوماسي الدولي تحدد معالم عملية مصالحة تقودها القوى الغربية. غير أن العقبات الهيكلية تبقى كبيرة، والجدول الزمني المتفائل للمصالحة الخريفية ينتظر التأكيد من خلال إجراءات ملموسة.
أولاً: المقدمة
تشهد المنافسة المغربية الجزائرية، التي تحولت إلى حرب باردة إقليمية حقيقية منذ 2021، منعطفاً استراتيجياً غير مسبوق. بعد أربع سنوات من القطيعة الدبلوماسية التامة، يكشف صيف 2025 إشارات دبلوماسية متناقضة لكنها متقاربة نحو تطبيع محتمل.
يفحص هذا التحليل الديناميات الداخلية والوساطات الدولية والآثار الجيوستراتيجية لعملية مصالحة تبقى معالمها غير مؤكدة لكن رهاناتها كبيرة.
يتركز السؤال المحوري على تحديد العوامل الهيكلية التي يمكن أن تتغلب على تنافس تاريخي يكلف كل بلد 2-3% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي1 ويشل التكامل الإقليمي المغاربي.
ثانياً: دبلوماسية الإشارات: فك رموز الخطاب الملكي
2.1. الرمزية التاريخية والإسقاط الجيوستراتيجي
شكل الخطاب الملكي المغربي في 31 يوليو 2025، في حفل ترقية الضباط المسمى باسم « السلطان أحمد المنصور الذهبي »، منعطفاً رمزياً كبيراً. هذه الإشارة التاريخية للسلطان السعدي الذي « مكن المغرب من الانفتاح على عمقه الإفريقي جنوب الصحراء » في القرن السادس عشر تحمل رسالة جيوستراتيجية مزدوجة2.
تشير الإشارة الملكية للسلطان أحمد المنصور إلى أن المغرب سيكرس نفسه بالكامل لاستراتيجيته الجيوسياسية الإفريقية جنوب الصحراء كما حددتها عقيدة أبيدجان. هذا القرار يعني بحكم الواقع أن هذا سيكون الانشغال الأساسي، معتبراً ملف الصحراء محسوماً نهائياً (بشكل غير رسمي).
في هذا الصدد، يجب أن نتذكر أيضاً المطلب الأمريكي من الجزائر لمراجعة نهجها الدبلوماسي، خاصة في الساحل، ولتصبح من الآن فصاعداً عامل استقرار مع التخلي عن قدرتها التقليدية على زعزعة الاستقرار.
2.2. الجهوية المتقدمة كإشارة استراتيجية
تشكل « الجهوية المتقدمة »، المُقدمة كـ »المستوى الأعلى » للامركزية، الإشارة الأكثر دلالة. المصادر المغربية الرسمية تربط صراحة بين هذا النهج ومبادرة الحكم الذاتي للصحراء الغربية، المُقدمة كـ »مبادرتين فاضلتين تجسدان الحكامة الترابية الجيدة »4.
تبدو الإشارة الملكية للجهوية المتقدمة كإعلان عن عملية تدريجية لتنصيب حكامة جهوية مستقلة تشير إلى خطة الحكم الذاتي المقترحة من المغرب. وبالتالي، يعتبر المغرب هذا القبول من الجزائر مكتسباً الآن وأن الجزائر ستفرضه على البوليساريو. الملك يعلن إذن المرحلة التالية: وضع أسس إطار حكم ذاتي سيشمل جميع جهات المملكة، وليس فقط الأقاليم الصحراوية الجنوبية.
تنبيه: الصمت الجزائري حول هذه الفتوحات وغياب المعاملة بالمثل في الإشارات الدبلوماسية يكشف استمرار العقبات الهيكلية. التصعيد الرمزي خلال كأس إفريقيا للأمم للسيدات 2025 يشهد على عمق الانقسامات.
ثالثاً: إعادة تركيب السلطة الجزائرية ونافذة الفرصة
3.1. ديناميات إعادة الهيكلة الداخلية
يكشف تحليل الديناميات السياسية الداخلية الجزائرية فترة إعادة تركيب كبيرة تخلق احتمالياً شروط إعادة الموقعة الاستراتيجية. الإضعاف التدريجي للهياكل السلطوية التقليدية، المرمز إليه بالتوترات حول « جناح توفيق » وإعادة الهيكلة الأمنية، يولد مركزة متزايدة حول الرئاسة.
الاستماعات (في إطار بحث قضائي) في ثكنة عنتر والتغييرات الأمنية تشهد على صراع أجنحة يضعف المقاومة التقليدية لأي انفتاح دبلوماسي5. هذا التفكك في السلطة العسكرية الأمنية، المعادية تاريخياً للتقارب مع المغرب، يمكن أن يسهل التطور العقائدي.
تنص الاستراتيجية المطبقة من جناح توفيق على تشكيل حكومة « وحدة وطنية » جديدة تضم تيارات سياسية جزائرية مختلفة، بما في ذلك المعارضة الداخلية والخارجية. هذه الحكومة ستكون مسؤولة بحكم الواقع عن قيادة الانتقال السياسي للبلاد وأيضاً عن تخفيف « صعوبات » الجزائر دولياً، خاصة تخفيف التوترات مع البلدان المجاورة. هذه الحكومة ستتحمل أيضاً المسؤولية التاريخية للإعلان عن تغيير مسار الجزائر في ملف الصحراء والمضي قدماً في نزع سلاح البوليساريو وتفكيك مخيمات تندوف وفقاً للمتطلبات الأمريكية.
بالتوازي مع تنصيب هذه الحكومة، يجب أن نشهد تحديد غير رسمي لدور الرئيس تبون، الذي سيُحصر في دور احتفالي.
3.2. إشارات إعادة التوجه الدبلوماسي
ظهور مبعوثين جزائريين « غير منتمين للسلطة الحالية »، رغم عدم تأكيده من مصادر مفتوحة، يندرج في منطق التحسس الدبلوماسي المُلاحظ تاريخياً خلال مراحل إعادة الموقعة الجزائرية.
قانون التعبئة العامة المُعتمد في يوليو 2025، رغم تقديمه كأداة رقابة داخلية، يشكل أيضاً أداة إعداد مؤسسي للانتقالات الجيوسياسية الكبيرة المحتملة6.
ملاحظة IGH: استعانة بمبعوثين مقربين من جناح توفيق للمهام الاستطلاعية يتوافق مع ممارسات النظام المُثبتة خلال مراحل الانفتاح للخروج من الأزمات. العمل في سفارة الجزائر بالرباط، المُشار إليه من مصادر إعلامية مغربية، يتطلب التأكيد عبر القنوات الرسمية.
رابعاً: هندسة الوساطة الدولية
4.1. التنسيق الثلاثي الأمريكي الفرنسي المغربي
يشكل التنسيق الثلاثي الأمريكي الفرنسي العنصر الأكثر هيكلة لعملية التطبيع المحتملة. الدور المحوري لمسعد بولوس، مستشار ترامب الخاص لإفريقيا والشرق الأوسط، يوضح النهج الدبلوماسي الأمريكي التفاوضي الجديد.
جولته في المغرب العربي في يوليو 2025 تكشف استراتيجية إطار دولي للعملية7. التنسيق مع الموقف الفرنسي، المُعبر عنه بالاعتراف بالسيادة المغربية في يوليو 2024، يحدد خطوط توافق غربي متماسك.
4.2. الزخم الدبلوماسي وأدوات الضغط
تُظهر هذه الهندسة الدبلوماسية متعددة الأطراف فعالية ملحوظة: 37 دولة تعترف الآن بالسيادة المغربية أو تدعم خطة الحكم الذاتي، مما يخلق زخماً دولياً مواتياً8.
مشروع قانون FTO البوليساريو (ويلسون-بانيتا)، المُقدم في يونيو 2025، يشكل أداة الضغط الأكثر مباشرة. تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية يهدف صراحة إلى العزلة الدبلوماسية للجزائر9.
خامساً: الرهانات الجيوستراتيجية والجدول الزمني الحرج
5.1. موعد أكتوبر 2025 في مجلس الأمن
يبلور موعد أكتوبر 2025 في مجلس الأمن لتجديد ولاية المينورسو التوترات. امتناع الجزائر خلال تصويت التمديد 2024 يوضح تهميشها التدريجي في عملية صنع القرار الدولي10.
وفقاً لمصادر مُستشارة معينة، يوجد بالفعل جدول زمني لهذا التقارب بين الشقيقين العدوين مع ذروة خلال الجمعية العامة المقبلة للأمم المتحدة وقبل اجتماع مجلس الأمن التالي الذي سيعترف بتغيير موقف الجزائر وينهي الإغلاق النهائي لملف الصحراء على مستواها.
5.2. التكاليف الاقتصادية والضغوط الهيكلية
تكاليف عدم التكامل الاقتصادية، المُقدرة بـ2-3% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لكل بلد، تثقل كاهل اقتصادات هشة أصلاً. بالنسبة للجزائر، يولد الاعتماد على المحروقات في سياق الانتقال الطاقوي العالمي ضغوطاً اقتصادية متنامية.
يبقى اتحاد المغرب العربي مشلولاً منذ 2008، بينما تتفاقم التوترات في الساحل مع تنامي تأثير الفاعلين الخارجيين وزعزعة استقرار التحالفات التقليدية11.
وفقاً لمعلومات موثوقة رغم عدم تأكيدها، توجد بالفعل اتصالات غير رسمية بين ممثلين دبلوماسيين لكلا البلدين.
سادساً: مسألة الصحراء الشرقية: البُعد التاريخي المُهمل
يبقى المجهول الكبير في هذا التقارب المحتمل بين المغرب والجزائر مصير الصحراء الشرقية، التي بُترت منها المملكة لصالح الجزائر من قبل فرنسا. هل يمكن لـ »يقظة ضمير جزائرية » بعد أكثر من 60 سنة أن تدفع القادة الحاليين لإكرام الكلمة المُعطاة قبل نشأة الدولة الجزائرية؟
6.1. اتفاق الحكومة المؤقتة-محمد الخامس 1961: التزام منسي
في 6 يوليو 1961، وقع المغرب، ممثلاً بمحمد الخامس، مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بروتوكول اتفاق ينص على أن مشاكل الحدود بين البلدين ستُحل عبر التفاوض بمجرد حصول الجزائر على الاستقلال12. اعترفت الحكومة المؤقتة أن النزاع الترابي المفروض تعسفياً من فرنسا سيُسوى بين المغرب والجزائر المستقلة، مع إنشاء لجنة جزائرية مغربية مشتركة لدراسة وحل المسألة بروح الأخوة المغاربية.
رفض محمد الخامس التفاوض مباشرة مع فرنسا حول هذه المسألة لتجنب الإضرار بالجزائريين، الذين اعتبرهم إخوة منخرطين في نضال التحرر. فضل انتظار جزائر حرة لمعالجة النزاع الحدودي سوياً13.
6.2. قطيعة 1962 وعواقبها
لكن بعد الاستقلال، الحكومة الجزائرية المنبثقة عن الحكومة المؤقتة، خاصة تحت قيادة أحمد بن بلة، لم تعتبر نفسها ملزمة بهذا الاتفاق. هذه القطيعة الأحادية للالتزام المُقطوع من الحكومة المؤقتة ساهمت مباشرة في تصاعد التوترات والصراع الحدودي المُسمى حرب الرمال في 196314.
يمكن أن يشكل هذا البُعد التاريخي عنصراً حاسماً في المفاوضات الحالية. إدماج هذه المسألة في « صفقة كبرى » جزائرية مغربية من شأنه أن يغلق نهائياً جميع النزاعات الترابية بين البلدين.
ملاحظة IGH: إرجاع الصحراء الشرقية للمغرب في إطار مصالحة شاملة سيشكل إيماءة تاريخية كبرى تمكن من استعادة العدالة الترابية وإكرام الالتزامات المُقطوعة من الحكومة المؤقتة في 1961. هذا البُعد يمكن أن يسهل القبول الشعبي المغربي لتنازلات محتملة في نقاط أخرى.
سابعاً: الخلاصة الاستراتيجية
يكشف التحليل تقارباً تكتيكياً غير مسبوق بين الإشارات الدبلوماسية المغربية، وإعادة التركيب السياسي الجزائري، والتنسيق الدولي الغربي. هذا التشكيل يخلق شروط تطبيع محتمل دون ضمان تحققه الفعلي.
تشمل العوامل المواتية العزلة الدبلوماسية المتنامية للجزائر، والضغوط الاقتصادية الداخلية، وإرهاق الشعوب من تكاليف التنافس، وتوافق المصالح الجيوستراتيجية الغربية، وإمكانية حل نزاعي الصحراء الغربية والشرقية في آن واحد ضمن إطار تسوية شاملة.
لكن العقبات الهيكلية تبقى كبيرة: مقاومة الرأي العام الجزائري، والمعارضة المؤسسية المتبقية، والتكلفة السياسية الداخلية لأي تغيير مسار، واستمرار منطق الهيبة الإقليمية.
ثامناً: فرضيات السيناريوهات
السيناريو الأول – التطبيع التدريجي مع تسوية ترابية شاملة
مصالحة تدريجية تبدأ بإعادة فتح المجال الجوي الجزائري بنهاية 2025، تليها تطبيع دبلوماسي مشروط بـ »صفقة كبرى » تتضمن الحكم الذاتي الصحراوي وإرجاع الصحراء الشرقية للمغرب، وبذلك إكرام اتفاق الحكومة المؤقتة-محمد الخامس 1961. هذا السيناريو يتطلب تغييراً جيلياً في المؤسسة الجزائرية ووساطة دولية مستدامة.
السيناريو الثاني – الوضع الراهن المتوتر
الحفاظ على التوترات الحالية مع تبادلات دبلوماسية محدودة، واستخدام التنافس كعامل تماسك داخلي، وانفتاحات قطاعية متقطعة (طاقة، أمن) دون مصالحة شاملة أو حل للنزاعات الترابية.
السيناريو الثالث – التصعيد المحكوم
تكثيف التوترات عبر توظيف التنافس لصرف الانتباه عن المشاكل الداخلية، مع خطر استئناف العداءات في الصحراء الغربية وتشدد المواقف الدولية.
تاسعاً: التوصيات الاستراتيجية
للدول
المغرب: الحفاظ على استراتيجية « الصبر النشط » مع الاستعداد لتنازلات جوهرية حول الحكم الذاتي الصحراوي. إدماج مسألة الصحراء الشرقية في أي تفاوض شامل كمقابل مشروع لتنازلات الصحراء الغربية.
الجزائر: تطوير عقيدة خروج مشرف تدمج الحقائق الجيوسياسية الجديدة. اعتبار إرجاع الصحراء الشرقية كإيماءة تاريخية تمكن من إكرام التزامات الحكومة المؤقتة المُقطوعة في 1961.
القوى الوسيطة: تنسيق الحوافز الاقتصادية والحفاظ على ضغط دبلوماسي متدرج.
💡 للمؤسسات الدولية
الأمم المتحدة: تجنب مأزق الاستفتاء وتعزيز آليات بناء الثقة الإقليمية.
الاتحاد الأوروبي: مواءمة المواقف الوطنية والاستثمار في الربط الطاقوي المغاربي.
الاتحاد الأفريقي: تعزيز الهندسة الأفريقية للسلم والأمن لتأطير الانتقال.
للمؤسسات الاقتصادية
• استباق إعادة فتح السوق المغاربية المتكاملة وتطوير استراتيجيات الاستثمار العابرة للحدود
• إعداد مشاريع الربط الطاقوي (أنبوب نيجيريا-المغرب، الهيدروجين الأخضر)
• تقييم الفرص في إعادة بناء العلاقات الاقتصادية الثنائية بعد الصراع
الهوامش
1 مركز السياسات للجنوب الجديد، « تكلفة عدم التكامل المغاربي »، تقرير 2024
2 الخطاب الملكي، حفل تطوان، 31 يوليو 2025، الأرشيف الملكي
3 TSA، Le360، التقارب التحريري 1 أغسطس 2025
4 Le Matin.ma، « الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي »، 2 أغسطس 2025
5 TSA، « إعادة الهيكلة الأمنية في الجزائر »، نوفمبر 2021-يوليو 2025
6 الجريدة الرسمية الجزائرية، القانون رقم 25-05 حول التعبئة العامة، يوليو 2025
7 وزارة الخارجية الأمريكية، جولة بولوس، يوليو 2025
8 وزارة الشؤون الخارجية، « الدعم الدولي لخطة الحكم الذاتي »، تقييم 2025
9 HR.1388 – قانون إعادة تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية، 26 يونيو 2025
10 مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 2756، أكتوبر 2024
11 معهد الدراسات الأمنية، « تحديات الأمن في الساحل »، 2025
12 Le360.ma، « عندما رفض المغرب تسوية مسألة الحدود لتجنب الإضرار بالجزائريين »، 2023
13 Yabiladi، « التاريخ: عندما تفاوض الحسن الثاني وبن بلة حول الحدود »، 2018
14 Le360.ma، « حرب الرمال 1963: أرشيف يفضح التوسع الجزائري »، 2021
ملاحظة منهجية IGH: يعتمد هذا التحليل على التحقق المتقاطع من المصادر الدبلوماسية، والإشارات الضعيفة الداخلية للأنظمة السياسية المعنية، والعناصر الواقعية القابلة للتحقق. تمت إعادة صياغة بعض المعلومات الحساسة للحفاظ على سلامة المصادر مع الحفاظ على الصرامة التحليلية.
معهد الجيوسياسي آفاق (IGH)
المغرب العربي – الساحل – أفريقيا الأطلسية
IGH-NS-المغرب العربي-20250731









