معهد أفق الجيوسياسي مايو 2025
الملخص التنفيذي
تكشف الجولة الدبلوماسية للشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان في دول تحالف دول الساحل في مايو 2025، تلتها الزيارة الاستراتيجية لصدام حفتر إلى النيجر، عن تنفيذ استراتيجية احتواء إماراتية تستهدف الجزائر بشكل صريح. هذه البنية الجيوسياسية، المُفصلة حول محور بنغازي-نيامي-باماكو-واغادوغو والمعززة بالتقارب مع المبادرة الملكية المغربية، تُجسد تطويقاً منهجياً للنفوذ الجزائري في الساحل. تستغل دولة الإمارات العربية المتحدة الفراغ الجيوسياسي الذي تركه الانسحاب الغربي لبناء حزام أمني حول الجزائر، تجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية والتعاون الأمني وإعادة توجيه التدفقات الطاقوية نحو المحيط الأطلسي.
مقدمة: ظهور لعبة ساحلية كبرى جديدة
شهد الساحل منذ عام 2020 إعادة تشكيل جيوسياسي كبير يتميز بالانسحاب التدريجي للقوى الغربية وظهور فاعلين إقليميين جدد. في هذا السياق من الفراغ الاستراتيجي، تنشر دولة الإمارات العربية المتحدة دبلوماسية نفوذ متطورة تتجاوز بكثير الاعتبارات الاقتصادية لتندرج في منطق الاحتواء الجيوسياسي.
إن التسلسل الدبلوماسي لمايو 2025 – الزيارة الإماراتية لعواصم تحالف دول الساحل الثلاث تلتها مهمة صدام حفتر إلى نيامي – ليس مصادفة. إنه يعكس تفعيل استراتيجية تطويق الجزائر المُنسقة بعناية من أبو ظبي، مستغلة الصدوع الساحلية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية على حساب الجزائر.
أولاً: بنية الاحتواء: الهندسة الإماراتية المتغيرة
محور أبو ظبي – تحالف دول الساحل: تحالف الظروف الجيوسياسية
تُجسد جولة الشيخ شخبوط في العواصم الثلاث لتحالف دول الساحل تقاربًا في المصالح الاستراتيجية. تقدم الإمارات للمجالس العسكرية المالية والنيجيرية والبوركينية ما لا يمكن لأي قوة أخرى ضمانه: دعماً غير مشروط دون متطلبات ديمقراطية، مقترناً باستثمارات ضخمة ودعم أمني ملموس.
في مالي، يندرج تمديد بروتوكول الدفاع لعام 2019 ومشاريع الاستثمار في الطاقة الشمسية (محطة تونا، 93 ميغاواط) في منطق الشراكة المستدامة. في النيجر، تهدف المناقشات حول التنمية التعدينية والطاقوية إلى تأمين الإمداد الإماراتي باليورانيوم والمعادن النادرة. في بوركينا فاسو، رغم الزيارة الأكثر تكتماً، تعزز اتفاقيات التعاون الاقتصادي السيطرة الإماراتية على الزراعة والبنية التحتية.
عامل حفتر: عندما تُكمل بنغازي استراتيجية أبو ظبي
تكشف زيارة صدام حفتر إلى النيجر، التي توجت بتكريمه الرسمي، البُعد العسكري للاحتواء الإماراتي. هذا التسلسل ليس صدفة: يحدث مباشرة بعد جولة الشيخ شخبوط، مما يشير إلى التنسيق الاستراتيجي بين الإمارات والجيش الوطني الليبي.
تتعلق الاتفاقيات الأمنية المبرمة بين صدام حفتر وعبد الرحمن تشياني بمراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب، وخاصة الاستيلاء المحتمل من قبل الجيش الوطني الليبي على القاعدة الفرنسية السابقة في مادما. هذا المنشأة الاستراتيجية، الواقعة على الحدود الليبية النيجيرية، ستشكل قاعدة متقدمة للعمليات العابرة للحدود، مُكملة جهاز تطويق الجزائر من الجنوب.
ثانياً: الدوافع الاستراتيجية: لماذا احتواء الجزائر؟
التنافس الطاقوي وتخريب مشروع الغاز العابر للصحراء
تمثل الجزائر منافساً مباشراً للإمارات في الأسواق الطاقوية الأوروبية والأفريقية. باحتياطياتها الغازية الضخمة وقربها الجغرافي من أوروبا، تمتلك الجزائر أصولاً استراتيجية تسعى الإمارات لتحييدها. يهدف الاحتواء الساحلي إلى الحد من توسع النفوذ الطاقوي الجزائري نحو أفريقيا جنوب الصحراء، محافظة بذلك على الحصص السوقية الإماراتية.
يكمن البُعد الأكثر استراتيجية لهذا التنافس الطاقوي في التمويل الإماراتي لخط أنابيب الغاز الأفريقي الأطلسي، الرابط بين نيجيريا والمغرب عبر الأطلسي. هذا الدعم المالي الكبير من أبو ظبي يدق ناقوس الموت لمشروع خط أنابيب الغاز الجزائري المنافس العابر للصحراء، الذي كان من المفترض أن يربط الجزائر بنيجيريا عبر النيجر. بتمويل خط أنابيب الغاز الأفريقي الأطلسي، تحيد الإمارات نهائياً الطموحات الجزائرية لتصبح مركز الغاز في غرب أفريقيا، بينما تعزز محور الرباط-أبوجا على حساب الجزائر.
تندرج المشاريع الطاقوية الإماراتية في الساحل – خاصة في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر – في هذا المنطق التنافسي. بتأمين الشراكات الطاقوية مع دول تحالف دول الساحل، تحرم الإمارات الجزائر من المنافذ الطبيعية لصادراتها من الغاز والكهرباء.
صراع النفوذ الجيوسياسي في المغرب الكبير-الساحل
مارست الجزائر تقليدياً نفوذاً مهيمناً في الساحل، معتمدة على روابطها التاريخية مع حركات التحرير الأفريقية ودبلوماسية عدم الانحياز. تتصادم هذه الهيمنة الإقليمية مباشرة مع الطموحات الإماراتية للتوسع نحو أفريقيا جنوب الصحراء.
يهدف الاحتواء الإماراتي إلى كسر هذا التواصل الجغرافي والسياسي بين الجزائر وحلفائها الساحليين التقليديين. بفرض نفسها كشريك مُفضل للنخب العسكرية الساحلية الجديدة، تخلق الإمارات حزاماً أمنياً يعزل الجزائر دبلوماسياً عن فنائها الخلفي الاستراتيجي.
التنافس على المواد الخام الحاسمة
يحتوي الساحل على احتياطيات مهمة من اليورانيوم والذهب والمعادن النادرة، موارد حاسمة للطموحات التكنولوجية الإماراتية. تشكل الجزائر، من خلال قربها الجغرافي وروابطها التاريخية، منافساً طبيعياً للوصول إلى هذه المواد الخام.
تهدف الاستراتيجية الإماراتية إلى تأمين وصول حصري أو مُفضل إلى الموارد الساحلية، متجاوزة الدوائر التجارية التقليدية التي تهيمن عليها الجزائر. تندرج الاستثمارات التعدينية في النيجر والمشاريع الزراعية في مالي في هذا المنطق من الاستيلاء الاقتصادي.
ثالثاً: الآليات العملياتية: روافع الاحتواء
الدبلوماسية الاقتصادية: سلاح التبعية
تنشر الإمارات دبلوماسية اقتصادية ضخمة في الساحل، واعدة بما يقارب 97 مليار دولار من الاستثمارات في أفريقيا. تُخفي هذه السخاء الظاهري استراتيجية خلق تبعيات اقتصادية هيكلية.
تهدف مشاريع البنية التحتية الإماراتية – محطات الطاقة الشمسية، المجمعات الزراعية، المناطق الاقتصادية الخاصة – إلى دمج الاقتصادات الساحلية في المدار الإماراتي، مقللة آلياً من هامش مناورتها تجاه شركاء آخرين، خاصة الجزائر. تثبت هذه استراتيجية القوة الناعمة الاقتصادية فعاليتها بشكل خاص ضد الدول الساحلية الباحثة عن تمويل لتنميتها.
التعاون الأمني: تحالف المصالح
يشكل التعاون العسكري والأمني الركيزة الثانية للجهاز الإماراتي. تُشكل عمليات تسليم الأسلحة وبرامج التدريب واتفاقيات الدفاع روابط تبعية عسكرية تُعقد أي إعادة توجه جيوسياسي مستقبلي.
إن إشراك الجيش الوطني الليبي لحفتر يضيف بُعداً شبه عسكري لهذه الاستراتيجية. إن السيطرة المحتملة على قاعدة مادما من قبل القوات الليبية المؤيدة للإمارات ستخلق موطئ قدم عسكري دائم على الحدود الساحلية، مؤسسة الوجود الإماراتي في المنطقة.
الدبلوماسية الثقافية والدينية: الإسلام المعتدل كقوة ناعمة
تستغل الإمارات صورتها كإسلام معتدل ومتسامح لإغراء النخب الساحلية. تهدف هذه الدبلوماسية الدينية، الأقل وضوحاً ولكن الفعالة بنفس الدرجة، إلى موازنة نفوذ القوى الإسلامية الإقليمية الأخرى، خاصة الجزائر وحلفائها التقليديين.
تشارك البرامج التعليمية الإماراتية والمنح الدراسية والتبادلات الثقافية في هذه الاستراتيجية طويلة المدى الهادفة إلى تكوين النخب الساحلية المستقبلية في مدار أبو ظبي.
رابعاً: البُعد المغربي: تقارب المصالح الجيوستراتيجية
المبادرة الملكية الأطلسية وتحالف دول الساحل: تناغم مُنسق
تتناسق استراتيجية الاحتواء الإماراتية للجزائر تماماً مع المبادرة الملكية المغربية الهادفة إلى توفير وصول إلى المحيط الأطلسي لدول الساحل غير الساحلية، خاصة تلك في تحالف دول الساحل. هذا التقارب الجيوسياسي ليس صدفة: إنه يعكس تحالفاً موضوعياً بين الرباط وأبو ظبي لإعادة رسم التدفقات التجارية والطاقوية لغرب أفريقيا على حساب الجزائر.
تقدم المبادرة الملكية لدول تحالف دول الساحل – مالي والنيجر وبوركينا فاسو – بديلاً لوجستياً وتجارياً للممرات التقليدية المُسيطر عليها أو المتأثرة بالجزائر. بتوفير وصول مباشر إلى الأطلسي عبر الموانئ المغربية، تكسر هذه المبادرة التبعية الساحلية للطرق التجارية الجزائرية، معزلة الجزائر أكثر عن شركائها الطبيعيين.
مثلث الرباط-أبو ظبي-تحالف دول الساحل: بنية شراكة جديدة
تندرج الزيارة الإماراتية للساحل إذن في منطق مثلثي أوسع، حيث تعمل الإمارات كمحفز مالي للطموح الجيوسياسي المغربي. إن التمويل الإماراتي لخط أنابيب الغاز الأفريقي الأطلسي والدعم لاقتصادات تحالف دول الساحل يخلق ظروف تكامل اقتصادي جنوب-جنوب يتجاوز الجزائر بشكل منهجي.
تُحول هذه البنية الجيوسياسية المغرب إلى منصة أطلسية للتبادلات الساحلية، بينما توفر الإمارات رؤوس الأموال والتكنولوجيا اللازمة لهذا التشكيل الجديد. يصبح تحالف دول الساحل بذلك الحلقة الساحلية في محور استراتيجي أطلسي-خليجي يُهمش نهائياً الطموحات الجزائرية للقيادة الإقليمية.
خامساً: ردود الفعل والاستراتيجيات المضادة الجزائرية
التشخيص الجزائري: بين الإنكار والقلق
تراقب الجزائر بقلق هذا الصعود الإماراتي في الساحل، معتبرة إياه تهديداً مباشراً لمصالحها الجيوستراتيجية. تندد التصريحات الرسمية الجزائرية بانتظام بـ »التدخلات الخارجية » في الساحل، وهو تعبير مبطن شفاف لتسمية الاستراتيجية الإماراتية.
ومع ذلك، تكافح الجزائر لاقتراح بديل موثوق لهجمة السحر الإماراتية. مقيدة بصعوباتها الاقتصادية الخاصة ودبلوماسيتها الحذرة تقليدياً، تجد الجزائر نفسها في موقف دفاعي ضد خصم يتمتع بوسائل مالية كبيرة.
حدود الرد الجزائري
تعاني الاستراتيجية المضادة الجزائرية من عدة عوائق هيكلية. أولاً، الوسائل المالية المحدودة للجزائر لا تسمح لها بمنافسة السخاء الإماراتي. ثانياً، عدم الاستقرار السياسي الداخلي الجزائري يُعقد وضع استراتيجية متماسكة طويلة المدى.
إن التخلي الفعلي عن مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، المُخرب بالتمويل الإماراتي لخط أنابيب الغاز الأفريقي الأطلسي، يحرم الجزائر من رافعتها الرئيسية للنفوذ الاقتصادي في الساحل. دون بديل طاقوي موثوق لاقتراحه على دول تحالف دول الساحل، تجد الجزائر نفسها مُنزوعة السلاح أمام هجمة الإغراء الإماراتية-المغربية.
أخيراً، تشكل الروابط التقليدية للجزائر مع بعض المجموعات الساحلية، المُعتبرة أحياناً عفا عليها الزمن من قبل النخب العسكرية الجديدة، عائقاً أمام الحداثة الظاهرة للنموذج الإماراتي وجاذبية الانفتاح الأطلسي المغربي.
الخلاصة الاستراتيجية: نحو إعادة تشكيل دائمة؟
إن استراتيجية الاحتواء الإماراتية في الساحل، المُضخمة بتقاربها مع المبادرة الملكية المغربية، تمثل أكثر من مجرد تنافس ثنائي بسيط: إنها تُوضح إعادة التشكيل الجارية للتوازنات الجيوسياسية الأفريقية. إن البنية الجيوسياسية الناشئة – محور أبو ظبي-تحالف دول الساحل-الرباط المُعزز بتحالف حفتر – تُعيد رسم خريطة التأثيرات الإقليمية والتدفقات الاقتصادية لغرب أفريقيا بشكل دائم.
إن التمويل الإماراتي لخط أنابيب الغاز الأفريقي الأطلسي والدعم للانفتاح الأطلسي لتحالف دول الساحل عبر المغرب يخلقان جغرافيا طاقوية وتجارية جديدة تُهمش الجزائر بشكل هيكلي. تتجاوز هذه إعادة التشكيل الإطار الساحلي لتؤثر على كامل المجال الغرب أفريقي، مُحولة المغرب إلى مركز أطلسي والإمارات إلى مُمول لهذا التواصل الجديد بين الجنوب والجنوب.
تُقدم هذه الاستراتيجية مع ذلك نقاط ضعف. إن الاعتماد الإماراتي على حلفاء محليين أحياناً غير مستقرين (المجالس العسكرية، القوات شبه العسكرية) يُضعف استدامة الجهاز. علاوة على ذلك، صعود فاعلين إقليميين آخرين (روسيا، تركيا، الصين) قد يُعقد اللعبة الإماراتية.
بالنسبة للجزائر، يكمن التحدي الآن في تكييف دبلوماسيتها الساحلية مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة، باقتراح بديل موثوق للنموذج الإماراتي-المغربي دون المساس بمصالحها الاستراتيجية الخاصة. إن فقدان مشروع الغاز العابر للصحراء يشكل نكسة كبرى تُعقد هذا التكيف.
تُشكل التسلسل الدبلوماسي لمايو 2025 إذن مرحلة حاسمة في ظهور نظام جيوسياسي ساحلي جديد، حيث يجد النفوذ الجزائري التقليدي نفسه مُتنازعاً عليه من قبل تحالف إماراتي-مغربي منهجي ومتطور. تطرح هذه إعادة التشكيل أسئلة أوسع حول مستقبل التوازنات الإقليمية في ساحل في إعادة تشكيل دائمة، متصل الآن بالأطلسي بدلاً من المتوسط.
معهد أفق الجيوسياسي – مايو 2025









